العواصم من القواصم، للقاضي أبي بكر ابن العربيقاصمة: افتراق المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم وظهور الأحزاب البكرية والعمرية والعثمانية والعلوية والعباسية. › عاصمة

ابحث في الصفحة

إنما ذكرت لكم هذا لتحترزوا من الخلق، وخاصة من المفسرين، والمؤرخين، وأهل الآداب، فإنهم أهل جهالة بحرمات الدين، أو على [ص 248] بدعة مصرِّين، فلا تبالوا بما رووا، ولا تقبلوا رواية إلا عن أئمة الحديث، ولا تسمعوا لمؤرخ كلاماً إلا للطبري، وغير ذلك هو الموت الأحمر، والداء الأكبر، فإنهم ينشئون أحاديث فيها استحقارُ الصحابة والسلف، والاستخفاف بهم، واختراع الاسترسال في الأقوال والأفعال عنهم، وخروجُ مقاصدهم عن الدين إلى الدنيا، وعن الحق إلى الهوى. فإذا قاطعتم أهل الباطل واقتصرتم على رواية العدول، سلمتم من هذه الحبائل، ولم تطووا كشحاً على هذه الغوائل. ومن أشد شيء على الناس جاهل عاقل، او مبتدع محتال. فأما الجاهل فهو ابن قتيبة، فلم يبقِ ولم يذر للصحابة رسماً في كتاب (الإمامة والسياسة) إن صح عنه جميع ما فيه [ص 249] وكالمبرِّد في كتابه الأدبي. وأين عقله من عقل ثعلب الإمام المتقدم في أماليه، فإنه ساقها بطريقة أدبية سالمة من الطعن على أفاضل الأمة. وأما المبتدع المحتال فالمسعودي، فإنه يأتي منه متاخمة الإلحاد فيما روى من ذلك، وأما البدعة فلا شك فيه. فإذا صنتم أسماعكم وأبصاركم عن مطالعة الباطل ولم تسمعوا في خليفة ممن ينسبُ إليه ما لا يليق ويذكر [عنه] ما لا يجوز نقله، كنتم على منهج السلف سائرين، وعن سبيل الباطل ناكبين.

فهذا مالك رضي الله عنه قد احتج بقضاء عبد الملك بن مروان في موطأه، وأبرزه في جملة قواعد الشريعة. [ص 250]

وقال في روايته: عن زياد بن أبي سفيان، فنسبه إليه وقد علم قصته، ولو كان عنده ما يقول العوام حقاً لما رضي أن ينسبه ولا ذكره في كتابه الذي أسسه للإسلام، وقد جُمع ذلك كله في أيام بني العباس والدولة لهم والحكم بأيديهم فما غيروا عليه ولا أنكروا ذلك منه لفضل علومهم ومعرفتهم بأن مسألة زياد مسألة قد اختلف الناس فيها فمنهم من جوزها ومنهم من منعها، فلم يكن لاعتراضهم إليها سبيل.

وكذلك أعجبهم - حين قرأ الخليفة على مالك الموطأ - ذكرُ عبد الملك بن مروان فيه وإذكاره بقضائه، لأنه إذا احتج العلماء بقضائه فسيحتج بقضائه أيضاً مثله، وإذا طعن فيه طعن فيه بمثله. [ص 251]

وأخرج البخاري عن عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان كتب: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله، ما استطعت. وإن بَنيّ قد أقروا بمثل ذلك.

وهذا المأمون كان يقول بخلق القرآن، وكذلك الواثق، وأظهروا بدعتهم، وصارت مسألة معلومة إذا ابتدع القاضي أو الإمام هل تصح ولايته وتنفذ أحكامه أم هي مردودة؟ وهي مسألة معروفة. وهذا أشدُّ من برودات أصحاب التواريخ من أن فلاناً الخليفة شرب الخمر أو غنى أو فسق أو زنى، فإن هذا القول في القرآن بدعة أو كفر - على اختلاف العلماء فيه - قد اشتهروا به، وهذه المعاصي لم يتظاهروا بها إن كانوا فعلوها فكيف يثبت ذلك عليهم بأقوال المغنين والبراد من المؤرخين [الذين] قصدوا بذكر ذلك عنهم تسهيل المعاصي على الناس وليقولوا إذا كان خلفاؤنا يفعلون هذا فما يستبعد ذلك منا. وساعدهم الرؤساء على إشاعة هذه الكتب وقراءتها لرغبتهم في مثل أفعالهم حتى صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وحتى سمحوا للجاحظ أن تقرأ كتبه في المساجد وفيها [ص 252] من الباطل والكذب والمناكير ونسبة الأنبياء إلى أنهم ولدوا لغير رشدة كما قال في إسحاق صلى الله عليه وسلم في كتاب الضلال والتضلال، وكما مكنوا من قراءة كتب الفلاسفة في إنكار الصانع وإبطال الشرائع لما لوزرائهم وخواصهم في ذلك من الأغراض الفاسدة والمقاصد الباطلة، فإن زل فقيه أو أساء العبارة عالم.

يكن ما أساء النارَ في رأس كبكبا

وبالوقوف على هذه الفصول تحسن نياتكم، وتسلم عن التغير قلوبكم على من سبق.

وقد بينت لكم أنكم لا تقبلون على أنفسكم في دينار، بل في درهم، إلا عدلاً بريئاً من التهم، سليماً من الشهوة. فكيف تقبلون في أحوال السلف وما جرى بين الأوائل ممن ليس له مرتبة في الدين، فكيف في العدالة.

ورحم الله عمر بن عبد العزيز حيث قال وقد تكلموا في الذي جرى بين الصحابة: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134].

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.