العواصم من القواصم، للقاضي أبي بكر ابن العربيقاصمة: حرب صفين ودعوى الفريقين وما اخترع في ذلك من أكاذيب. › عاصمة

ابحث في الصفحة

أما وجود الحرب بينهم فمعلوم قطعاً، وأما كونه بهذا السبب فمعلوم كذلك قطعاً، وأما الصواب فيه فمع عليّ، لأن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، وتهمة الطالب للقاضي لا توجب عليه أن يخرج عليه، بل يطلب [الحق] عنده، فإن ظهر له قضاء وإلا سكت وصبر، فكم من حق يحكم الله فيه. وإن لم يكن له دِين فحينئذ يخرج عليه، فيقوم له عذر في الدنيا. [ص 165]

ولئن اتهم عليّ بقتل عثمان فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو متهم به، أو قل معلوم قطعاً أنه قتله، لأن ألف رجل جاءوا لقتل عثمان لا يغلبون أربعين ألفاً. [ص 166]

وهبك أن علياً وطلحة والزبير تضافروا على قتل عثمان، فباقي الصحابة من المهاجرين والأنصار ومن اعتدَّ فيهم وضوى إليهم ماذا صنعوا بالقعود عن نصرته؟

ولا يخلو أن يكون لأنهم رأوا أولئك طلبوا حقاً وفعلوا حقاً، فهذه شهادة قائمة على عثمان فلا كلام لأهل الشام. وإن كانوا قعدوا عنه استهزاء بالدين، وأنهم لم يكن لهم رأي في الحال، ولا مبالاة عندهم بالإسلام ولا فيما يجري فيه من اختلال، فهي ردة ليست معصية. لأن التهاون بحدود الدين وإسلام حرمات الشريعة للتضييع كفر، وإن كانوا قعدوا لأنهم لم يروا أن بَتعدوا حدَّ عثمان وإشارته فأيُّ ذنب لهم فيه؟ وأي حجة لمروان - وعبدُ الله بن الزبير والحسن والحسين وابن عمر وأعيان العشرة معه في داره يدخلون إليه ويخرجون عنه في الشكة والسلاح - والطالبون ينظرون؟ ولو كان لهم بهم قوة أو أووا إلى ركن شديد لما مكنوا أحداً أن يراه منهم ولا يداخله، وإنما كانوا نظارة، فلو قام في وجوههم الحسن والحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ما جسروا، ولو قتلوهم ما بقي على الأرض منهم حيٌّ.

ولكن عثمان سلم نفسه، فترُك ورأيه. وهي مسألة اجتهاد كما قدمنا. [ص 167]

وأي كلام كان يكون لعليٌ - لما تمت له البيعة - لو حضر عنده وليُّ عثمان وقال له: إن الخليفة قد تمالأ عليه ألف نسمة حتى قتلوه، وهم معلومون. ماذا كان يقول إلا: أثبت، وخذ، وفي يوم كان يثبت، إلا ان يثبتوا هم أن عثمان كان مستحقاً للقتل.

وبالله لتعلمن يا معشر المسلمين أنه ما كان يثبت على عثمان ظلم أبداً، وكان يكون الوقت أمكن للطالب، وأرفق في الحال، وأيسر وصولاً إلى المطلوب. [ص 168]

والذي يكشفْ الغطاء في ذلك أن معاوية لما صار إليه الأمر لم يمكنه أن يقتل من قتلة عثمان أحداً إلا بحكم، إلا من قتل في حرب تأويل، أو دس عليه فيما يقال. حتى انتهى الأمر إلى زمن الحجاج، وهم يقتلون بالتهمة لا بالحقيقة. فتبين لكم أنهم ما كانوا في ملكهم يفعلون ما أصبحوا له يطلبون.

والذي تثلج به صدوركم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذَكر في الفتن، وأشار وبين. وأنذر بالخوارج وقال "تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق" فبين أن كل طائفة [منهما] تتعلق بالحق، ولكن طائفة عليّ أدنى إليه. وقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [ص 169] فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [سورة الحجرات: 9] فلم يخرجهم عن "الإيمان" بالبغي [ص 170] بالتأويل، ولا سلبهم اسم "الإخوَّة" بقوله بعده {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10].

وقال صلى الله عليه وسلم في عمار: "تقتله الفئة الباغية".

وقال في الحسن "ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظِمتينِ من المسلمين"، فحسَّنَ له خلعه نفسَه وإصلاحه. [ص 171]

وكذلك يروى أنه أذن في الرؤيا لعثمان في أن يستسلم ويفطر عنده الليلة.

فهذه كلها أمور جرت على رسم النزاع، ولم تخرج عن طريق من طرق الفقه، ولا عَدت سبيل الاجتهاد الذي يؤجر فيه المصيب عشرة والمخطىء أجراً واحداً. [ص 172]

وما وقع من روايات في كتب التاريخ - عدا ما ذكرنا - فلا تلتفتوا إلى حرف منها، فإنها كلها باطلة.