شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الثالث › كتاب عيادة المريض وتشييع الميت والصلاة عليه وحضور دفنه والمكث عند قبره بعد دفنه › 163 - باب ثناء الناس على الميت

ابحث في الصفحة

1 – (عن أنس رضي الله عنه قال: مروا بجنازة) أي على النبي صلى الله عليه وسلم ومن عنده (فأثنوا عليها خيراً) منصوب بنزع الخافض: أي بخير أو أنه مفعول مطلق إما بتقدير ثناء خير فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، أو لكون الخير من نوع الثناء فيكون نحو قعدت جلوساً وقرينة كون المرور عليه صلى الله عليه وسلم قول أنس (فقال النبي صلى الله عليه وسلم) أي عند سماع ثنائهم عليها (وجبت) واحتمال كونها مرت عليهم

[ص 435]

فقط فأثنوا عليها فبلغه ذلك خلاف الظاهر، وضمير وجبت يرجع إلى الجنة المدلول عليها بالسياق (ثم مروا بأخرى) أي بجنازة أخرى (فأثنوا عليها شراً) هذا الحديث مؤيد للعز بن عبد السلام الشافعي حيث رأى أن الثناء حقيقة في الخير والشر، ورأى الجمهور أنه حقيقة في الخير فقط، وعليه ففي الحديث مجاز مرسل تبعي علاقته التضاد، وأقره صلى الله عليه وسلم على الثناء عليه بالشر مع نهيه عن ذكر مساوئ الموتى، لأن النهي عنه في غير الكافر والمنافق والمتجاهر بفسقه فلعل التي أثنوا عليها شراً كانت واحداً من الثلاثة (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت) أي النار كما سيصرح به ولخفاء الدال على تعيين الواجب فيهما سأل عمر رضي الله عنه عن بيانه (فقال عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه: ما وجبت) أي ما معناها فقال معناها تضمنه قولنا (هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة) فانطلاق الألسنة بالثناء الحسن علامة على وجوب الجنة للمثنى عليه به (وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار) أما(744) إذا كان ذلك على سبيل الهوى والغرض من غير باعث ووازع فالظاهر أنه لا يكون كذلك (أنتم) أيها الصحابة أو مطلق المؤمنين ويؤيده أنه جاء في رواية: المؤمنون (شهداء الله في الأرض) فإذا جرى على ألسنتكم ثناء بخير أو شر كان مطابقاً لما عند الله: أي باعتبار الغالب أن الله تعالى يطلق الألسنة في حق كل إنسان بما يعلم من سريرته التي لا يطلع عليها غيره، وبما يظهر عليه من الأعمال الصالحة وضدها، فكأنه صلى الله عليه وسلم استنبط من هذا في حق هذين القطع لهما بالجنة والنار، أو أعلم الله تعالى أنهما في باطن الأمر عنده على طبق ثناء الناس عليهما، فعلم أنه ليس المراد أن من خلق للجنة يصير للنار بقولهم ولا عكسه، بل قد يقع الثناء بالخير أو الشر وفي الباطن خلافه، وإنما المراد أن الثناء علامة مطابقة وعلة دالة على ما في الواقع غالباً كما أنبأ عن ذلك ترتيبه وجبت على الثناء المشعر بأن الثناء علة ذلك، ولذا أشار أشرف المثنين بكونهم شهداء الله الصادقين في ثنائهم لكونهم يجري على ألسنتهم

[ص 436]

ما يطابق ما عنده غالباً، ففيه غاية التزكية منه صلى الله عليه وسلم لأمته بأن الله تعالى ما أنطقهم إلا ليصدقهم غالباً في ثنائهم الواقع كالدعاء والشفاعة بوعده الحق الذي لا يخلف، أو العادة المنزلين منزل الواجب الوقوع، فلذا رتب على الثناء الوجوب بالمعنى المذكور لأته تعالى لا يجب عليه شيء بعمل ولا بشهادة ولا بغيرهما، تعالى الله على ذلك علواً كبيراً اهـ من فتح الإله (متفق عليه).

4 2 - وعن أبي الأسود قال: قدمت المدينة فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمرت بهم جنازة فأثني على صاحبها خيراً فقال عمر رضي الله عنه: وجبت. ثم مر بأخرى فأثني على صاحبها خيراً فقال عمر: وجبت. ثم مر بالثالثة فأثني على صاحبها شراً فقال: وجبت. قال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة) فقلنا: وثلاثة؟ قال: (وثلاثة) فقلنا: واثنان؟ قال: (واثنان) ثم لم نسأله عن الواحد. رواه البخاري.

------

(744)قوله (أما الخ) لعل قبله سقطا ولعله (فانطلاق الألسنة بالثناء القبيح علامة على وجوب النار للمثنى عليه به وهذا كله إذا كان هناك باعث ووازع شرعيان). ع.

------