نيل الأوطارالجزء الثامن. › كتاب الجهاد والسير. › باب ما جاء في إخلاص النية في الجهاد وأخذ الأجرة عليه والإعانة.

ابحث في الصفحة

حديث أبي أيوب سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده أبو سورة ابن أخي أبي أيوب وفيه ضعف وكذلك حديث عبد اللّه بن عمرو سكتا عنه ورجال إسناده ثقات.

قوله: (إن أول الناس) الخ لفظ الترمذي أول ما يدعى به يوم القيامة رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل اللّه ورجل كثير المال فيقول اللّه تعالى للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي فيقول بلى يا رب قال فما عملت فيما علمت فيقول كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار فيقول اللّه تعالى كذبت وتقول الملائكة كذبت إنما أردت أن يقال فلان قارئ وقد قيل ذلك. وذكر نحو ذلك في الذي قتل في سبيل اللّه والذي له مال كثير.

قوله: (نعمه) بكسر النون وفتح العين المهملة [ص 35] جمع نعمة بسكون العين وهذا الحديث فيه دليل على أن فعل الطاعات العظيمة مع سوء النية من أعظم الوبال على فاعله فإن الذي أوجب سحبه في النار على وجهه هو فعل تلك الطاعة المصحوبة بتلك النية الفاسدة وكفى بهذا رادعاً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد اللّهم إنا نسألك صلاح النية وخلوص الطوية.

وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال: (قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: يقول اللّه تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) وأخرج الترمذي عن كعب بن مالك قال: (سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: من طلب العلم ليجاري به العلماء ويماري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله اللّه النار) وأخرج الترمذي أيضاً عن أبي هريرة قال: (قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: تعوذوا باللّه من جب الحزن قالوا يا رسول اللّه وما جب الحزن قال واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم مائة مرة قيل يا رسول اللّه ومن يدخله قال القراء المراؤون بأعمالهم) وأخرج الترمذي أيضاً عن أبي هريرة وابن عمر قالا: (قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: يكون في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين يلبسون الناس جلود الضأن ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب يقول اللّه تعالى أبي تغترون أم علي تجترؤن فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران) وأخرج الشيخان عن أبي وائل قال: (سمعت أسامة يقول قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فتجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه) وأخرج الحاكم من حديث معاذ يرفعه قال: (إن يسير الرياء شرك) قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولا يحفظ له علة.

وأخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه من حديث عائشة مرفوعاً: (الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل) وفي الباب عن أبي سعيد رواه أحمد. وعن أبي موسى وأبي بكر وحذيفة ومعقل بن يسار رواها الهيثمي.

وأخرج أحمد من حديث عبد اللّه بن عمرو مرفوعاً: (من سمع بعلمه سمع اللّه به سامع خلقه وصغره وحقره).

قوله: (بعوث) جمع بعث وهو طائفة من الجيش يبعثون في الغزو كالسرية [ص 36] وفيه دليل على أنه يحرم على الرجل أن يمتنع من الخروج إلى الغزو مع قومه ثم يذهب يعرض نفسه على غير قومه ممن طلبوا إلى الغزو ليكون عوضاً عن أحدهم بالأجرة فإن من فعل ذلك كان خروجه للدنيا لا للدين ولهذا قال صلى اللّه عليه وآله وسلم فهو الأجير إلى أخر قطرة من دمه أي لا يكون في سبيل اللّه من دمه شيء بل في سبيل ما أخذه من الأجرة.

قوله: (وللجاعل أجره وأجر الغازي) فيه دليل على أنه لا يستحق أجر الغزو من خرج بالأجرة بل يكون أجره للمستأجر وهو الذي أعطاه الجعالة أي ما جعله له من الأجرة ويكون ذلك أي أجر المجعول له منضماً إلى أجر الجاعل إذا كان غازياً وإن لم يكن غازياً فله أجر الذي دفعه من الأجرة وأجر المجعول له.

قوله: (من جهز غازياً) أي هيأ له أسباب سفره وما يحتاج إليه مما لا بد منه.

قوله: (فقد غزا) قال ابن حبان: معناه أنه مثله في الأجر وإن لم يغز حقيقة ثم أخرج الحديث من وجه آخر بلفظ: (كتب له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجره شيء) وأخرج ابن ماجه وابن حبان أيضاً من حديث ابن عمر بلفظ: (من جهز غازياً حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع) وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد: (أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بعث بعثاً وقال: ليخرج من كل رجلين رجل والأجر بينهما) وفي رواية له ثم قال للقاعد: (أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج) ففيه إشارة إلى أن الغازي إذا جهز نفسه وقام بكفاية من يخلفه بعده كان له الأجر مرتين.

وقال القرطبي: لفظة نصف يحتمل أن تكون مقحمة من بعض الرواة وقد احتج بها من ذهب إلى أن المراد بالأحاديث التي وردت بمثل ثواب الفعل حصول أصل الأجر له بغير تضعيف وإن التضعيف يختص بمن باشر العمل قال: ولا حجة له في هذا الحديث لوجهين: أحدهما أنه لا يتناول محل النزاع لأن المطلوب إنما هو أن الدال على الخير مثلاً هل له مثل أجر فاعله مع التضعيف أو بغير تضعيف والحديث المذكور إنما يقتضي المشاركة والمشاطرة فافترقا. ثانيهما ما تقدم من احتمال كون لفظة نصف زائدة. قال الحافظ: لا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر [ص 37] فلا تعارض بين الحديثين وأما من وعد بمثل ثواب العمل وإن لم يعمله إذا كان له فيه دلالة أو مشاركة أو نية صالحة فليس على إطلاقه في عدم التضعيف لكل أحد وصرف الخبر عن ظاهره يحتاج إلى مستند وكأن مستند القائل إن العامل يباشر المشقة بنفسه بخلاف الدال ونحوه لكن من يجهز الغازي بماله مثلاً وكذا من يخلفه فيمن ترك بعده يباشر شيئاً من المشقة أيضاً فإن الغازي لا يتأتى منه الغزو إلا بعد أن يكفى ذلك العمل فصار كأنه يباشر معه الغزو بخلاف من اقتصر على النية مثلاً انتهى.

قوله: (ومن خلفه في أهله بخير) بفتح الخاء المعجمة واللام الخفيفة أي قام بحال من يتركه.