فتدارك الله الإسلام والأنام - وانجابت [الغمة] انجياب الغمام، ونفذ وعدُ الله باستئثار رسول الله وإقامة دينه على التمام، وإن كان قد أصاب ما أصاب من الرزية الإسلام - بأبي بكر الصديق رضي الله عنه [ص 42] وكان إذ مات النبي صلى الله عليه وسلم غائباً في ما له بالسُّنح، فجاء إلى منزل ابنته عائشة رضي الله عنها - وفيه مات النبي صلى الله عليه وسلم - فكشف عن وجهه، وأكبّ عليه يقبِّله وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طبتَ حياً وميتاً. والله لا يجمع الله عليك الموتتين، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها. ثم خرج إلى المسجد - والناس فيه، وعمر يأتي بهجر من القول كما قدمنا - فرقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت". ثم قرأ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى [ص 43] عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران:144) فخرج الناس يتلونها في سكك المدينة كأنها لم تنزل إلا ذلك اليوم.
واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة يتشاورون، ولا يدرون ما يفعلون. [وبلغ ذلك المهاجرين] فقالوا: نرسل إليهم يأتوننا. فقال أبو بكر: بل نمشي إليهم. فسار إليهم المهاجرون، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فتراجعوا الكلام، فقال بعض الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر كلاماً كثيراً مصيباً، يُكثر ويصيب. منه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأئمة من قريش" وقال: "أوصيكم بالأنصار خيراً: أن تقبلوا من محسنهم، وتتجاوزوا [ص 44] عن مسيئهم". إن الله سمانا {الصادقين} وسماكم {المفلحين}. [ص 45] وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة والأدلة القوية. فتذكرت الأنصارُ ذلك وانقادت إليه، وبايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه.
وقال أبو بكر لأسامة: انفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: كيف ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك!؟ فقال: لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة، ما رددت جيشاً أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم [ص 46] وقال له عمر وغيره: إذا منعك العربُ الزكاةَ فاصبر عليهم. فقال: "والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. والله لأقاتلنّ من فرّق بين الزكاة والصلاة". [ص 47]
قيل: ومع من تقاتلهم؟ قال: "وحدي، حتى تنفرد سالفتي".
وقدّم الأمراء على الأجناد والعمال في البلاد مختاراً لهم، مرتئياً فيهم، فكان ذلك من أسدّ عمله، وأفضل ما قدّمه للإسلام. [ص 48]
وقال لفاطمة وعليّ والعباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نُورَث، ما تركنا صدقة". فذكر الصحابة ذلك. [ص 51]
وقال: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدفن نبي إلا حيث يموت" وهو في ذلك كله رابط الجأش، ثابت العلم والقدم في الدين.
ثم استخلف عمرَ، فظهرت بركةُ الإسلام، ونفذ الوعد الصادق في الخليفتين. [ص 52]
ثم جعلها عمرُ شورى، فأخرج عبدُ الرحمن بن عوف نفسه من الأمر حتى ينظر ويتحرّى فيمن يقدّم، فقدّم عثمانَ، فكان عند [ص 53] الظن به: ما خالف له عهداً، ولا نكث عقداً، ولا اقتحم مكروهاً، ولا خالف سنة. [ص 55]
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن عمر شهيد، وبأن عثمان شهيد، وبأن له الجنة على بلوى تصيبه. [ص 56]
وهو وزوجه رُقيّة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مهاجر بعد إبراهيم الخليل، دخل به في باب "أوَّلُ من ..." وهو علم كبير جمعه الناس.
ولما صحت إمامته قتل مظلوماً، ليقضي الله أمراً كان مفعولا. [ص 57] ما نصب حرباً ولا جيش عسكراً، ولا سعى إلى فتنة ولا دعا إلى بيعة، ولا حاربه ولا نازعه من هو من أضرابه ولا أشكاله، ولا كان يرجوها لنفسه. ولا خلاف أنه ليس لأحد أن [ص 58] يفعل ذلك في غير عثمان، فكيف بعثمان رضي الله عنه.
وقد سموا من قام عليه، فوجدناهم أهلّ أغراض سوء حيلَ بينهم وبينها، فوعظوا وزجروا، وأقاموا عند عبد الرحمن بن خالد [ص 59] ابن الوليد، وتوعدهم حتى تابوا، فأرسل بهم إلى عثمان فتابوا. وخيرهم فاختاروا التفرق في البلاد، فأرسلهم. فلما سار كل إلى ما اختار أنشأوا الفتنة، وألبوا الجماعة، وجاءوا إليه بجملتهم، فاطلع عليهم من حائط داره ووعظهم، وذكرهم، وورّعهم عن دمه، وخرج طلحة يبكي ويورع الناس، وأرسل علي ولديه، وقال الناس لهم: إنكم أرسلتم إلينا "أقبلوا إلى غير سنة الله"، فلما جئنا قعد هذا في بيته [ص 60] - يعنون علياً - وخرجت أنت تفيض عينيك. والله لا برحنا حتى نريق دمه.
وهذا قهر عظيم، وافتئات على الصحابة، وكذب في وجوههم وبَهت لهم. ولو أراد عثمان لكان مستنصراً بالصحابة، ولنصروه في لحظة. وإنما جاء القوم مستجيرين متظلمين. فوعظهم، فاستشاطوا. فأراد الصحابة ألّهم، فأوعز إليهم عثمان ألا يقاتل أحد بسببه أبداً. فاستسلم، وأسلموه برضاه.
وهي مسألة من الفقه كبيرة: هل يجوز للرجل أن يستسلم، أم يجب عليه أن يدافع عن نفسه؟
وإذا استسلم وحرّم على أحد أن يدافع عنه بالقتل، هل يجوز لغيره أن يدافع عنه ولا يلتفت إلى رضاه؟ اختلف العلماء فيها.
فلم يأت عثمان منكراً لا في أول الأمر، ولا في آخره، ولا جاء الصحابة بمنكر. وكل ما سمعت من خبر باطل إياك أن تلتفت إليه. [ص 61]