سننن أبي داودالجزء الأول › ترجمة الحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني المعروف بأبي داود › شرط الإِمام أبي داود

ابحث في الصفحة

وأما أبو داود فمن بعده فإِن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: صحيح وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري ومسلم فإِن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين، والكلام عليه كالكلام على الصحيحين فيما اتفقا عليه واختلفا فيه.

القسم الثاني: صحيح على شرطهم.

حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإِسناد من غير قطع ولا إرسال ويكون هذا القسم من الصحيح فإِن البخاري قال: أحفظ مائتي ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح.

ومسلم قال: أخرجت المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموع.

ثم إنا رأيناهما أخرجا في كتابيهما ما اتفقا عليه وما انفردا به ما يقارب عشرة آلاف تزيد أو تنقص فعلمنا أنه قد بقي من الصحيح الكثير إلا أن طريقه لا يكون كطريق ما أخرجاه في هذين الكتابين فما أخرجوه مما انفردوا به دونهما فإِنه من جملة ما تركه البخاري ومسلم من جملة الصحيح.

والقسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم وأوردوها لا قطعاً منهم بصحتها وربما إبان المخرج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة.

فإِن قيل: لم أودعوها كتبهم ولم تصح عندهم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: (ج/ص: 1/32)

أحدها: رواية قوم لها واحتجاجهم بها فأوردوها وبينوا سقمها لتزول الشبهة.

و الثاني: أنهم لم يشترطوا ما ترجمه البخاري ومسلم -رضي الله عنهما- على ظهر كتابيهما من التسمية بالصحة فإِن البخاري قال: ما أخرجت في كتابي إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول.

ومسلم قال: ليس كل حديث صحيح أودعته هذا الكتاب وإنما أخرجت ما أجمعوا عليه، ومن بعدهم لم يقولوا ذلك فإِنهم كانوا يخرجون الشيء وضده.

و الثالث: أن يقال لقائل هذا الكلام رأينا الفقهاء وسائر العلماء يوردون أدلة الخصم في كتبهم مع علمهم أن ذلك ليس بدليل فكان فعلهما هذا كفعل الفقهاء والله أعلم.

وأما أبو داود ومن بعده فهم متقاربون في شروطهم فلنقتصر على حكاية قول واحد منهم والباقون مثله: أنبأنا أبو العلاء محمد بن جعفر بن عقيل البصري عن كتاب أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد الغساني يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز الهاشمي يقول: سمعت أبا داود في رسالته التي كتبها إلى أهل مكة وغيرها جواباً لهم:

سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في هذا الباب فاعلموا أنه كذلك كله إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين وأحدهما أقدم إسناداً والآخر صاحبه أقوم في الحفظ فربما كتبت ذلك.

ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلا حديثاً واحداً أو حديثين وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإِنه يكبر وإنما أردت قرب منفعته، وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء فإِن ذكر لك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة ليس فيما خرجته فاعلم أنه حديث واه إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر فإِني لم أخرج الطرق لأنه يكثر على المتعلم، ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري.

وذكر باقي الرسالة. (ج/ص: 1/33)

وقد رويا عن أبي بكر بن داسة أنه قال سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنت هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه.

وذكر تمام الكلام. اهـ. (ج/ص: 1/34)