سننن أبي داودالجزء الأول › ترجمة الحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني المعروف بأبي داود › أبو داود جرحه وتعديله للرواة

ابحث في الصفحة

إن علم الجرح والتعديل من أصعب علوم الحديث، فلا يقدم على الخوض فيه إلاّ من اتصف بسعة الاطلاع في الأخبار المروية ورواتها، عارفاً بأحوال الرواة وطرق مروياتهم، إلى غير ذلك مما لا بد منه في هذا الفن.

ومن أولئك الجهابذة النقاد أمامنا أبو داود السجستاني فقد ذكره السبكي والسخاوي أثناء ذكرهما لطبقات النقّاد في الطبقة التي تلي طبقة الإِمام أحمد.

وقد شهد الأئمة لأبي داود بإِمامة عصره في الحفظ والإِتقان، ومعرفة علل الحديث، والتبصر بأحوال الرواة، وها هو يسأل عن الأئمة الكبار، سأله الآجري قائلاً: أيهما أعلم بالرجال يحيى أو علي؟

فقال: يحيى أعلم بالرجال وليس عند علِيّ من خبر أهل الشام شيء.

فكان -رحمه الله- عالماً بالمتون والأسانيد، ومن يطلع على ما ألفه في أحوال الرواة يظهر له الأمر جلياً، وقول ابن المديني يشهد لواقع أبي داود حيث قال: معرفة الرجال نصف العلم ومعرفة فقه الحديث نصف العلم.

مَنهَج أبي دَاوُد في النّقد:

اتبع النقاد في نقدهم لرواة الحديث مناهج متعددة تمكنوا بواسطتها الكشف عن أحوال الرواة، والوقوف على صحيح مروياتهم من سقيمها، وقد شارك أبو داود -رحمه الله- بنصيب كبير في تحديد المنهج النقدي عند المحدثين، ويمكن تلخيص منهجه في النقاط التالية: (ج/ص: 1/35)

1- النزاهة العلمية:

تمتع أبو داود بنزاهة علمية رفيعة ولا غرابة، فما يصدر حكماً على راوٍ إلا لتحديد موقف الناس منه ببيان حقيقة أمره، فلا مجال لهوى يتبع، فلا يذكر الراوي إلا بما فيه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، لا فرق في ذلك بين قريب وبعيد، ولم يكن يقتصر على ذكر جانب السوء في الراوي فحسب أو العكس، بل كان يذكر فيه ما يحمد أو يذم من أجله.

سأله الآجريّ عن يونس بن خباب ووصفه بأنه شتّام للصحابة، لكنه أردف قائلاً: وليس في حديثه نكارة.

2- الأمانة العلمية:

كان أبو داود أميناً صادقاً في حكمه على الرواة، فلا يُصدر حكماً إلا بما يعلم، وإذا لم يجد من علمه ما يمكنه أن يصدر حكمه أحال على غيره من شيوخه، وكم من مسئلة سئل فيها فقال: لا أدري.

سأله الآجري عن عرفجة العمي فقال: لا أعرفه.

وعن سالم المرادي فقال: ليس لي به علم.

وعن العلاء بن خالد فقال: ما عندي من علمه شيء.

وسئل هل سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر -رضي الله عنه- فقال: قد روى ولا أدري يصح أم لا، وقد رأيت من يدفعه.

ولا بد لي أن أذكر أن في هذا الفن نصحاً للأمة، وتبياناً للحق، وليس غيبة كما عده بعض ضعاف الأفهام، فهؤلاء العلماء النقاد أظهروا من هم أهلاً للرواية ممن ليسوا بأهل لها، ولم يخشوا في قول الحق أحداً.

ذكر ابن مبارك رجلاً فقال: يكذب، فقيل: يا أبا عبد الرحمن تغتاب؟ قال: أسكت، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل؟

وقال ابن عُليَّة في الجرح: هذا أمانة وليس بغيبة. (ج/ص: 1/36)

وهذا أبو داود يقضي بأن ابن معين أعلم في الرجال من ابن المديني قائلاً: يحيى أعلم بالرجال وليس عند علي من علم أهل الشام شيء.

سأله الآجري عن الحسن بن ذكوان قائلاً: زعم قوم أنه كان فاضلاً، فقال: ما بلغني عنه فضل.

وقال محمد بن رجاء البصري: قلت لأبي داود: لم أرك حدثت عن الرمادي؟ (هو أبو بكر أحمد بن منصور الرمادي المتوفى سنة 265 هـ).

قال: رأيته يصحب الواقفة (هم الذين توقفوا عن القول بخلق القرآن أو عدمه) فلم أحدث عنه.

3- عدم قبول الجرح إلا مفسراً:

شارك أبو داود كثيراً من النقاد بهذا الرأي، وهذا بالطبع فيمن تعارض فيه الجرح والتعديل.

قال الخطيب: وهو مذهب حفاظ الحديث ونقاده مثل محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم، فالبخاري احتج بجماعة سبق من غيره الطعن فيهم، وهكذا فعل مسلم بن الحجاج، وسلك أبو داود هذه الطريق وغير واحد من بعده فدل ذلك على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه، وذكر موجبه.

وقد سلك النقاد مذاهب عدة، وربما جرح بعضهم من لا يستحق الجرح أو جرح بما لا يكون جرحاً عند غيره، ولهذا فقد كان أبو داود يخرج حديث من ضعف بالجملة.

قال المنذري في (مختصر السنن) في حكايته عن ابن مندة أنه قال: إن شرط أبي داود إخراج حديث قوم لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال، ولهذا فقد ذهب إلى توثيق العوام بن حمزة والذي ضعفه شيخه ابن معين فقال: لم نر له حديثاً منكراً أي يستوجب ضعفه، وهكذا قال في نوح بن قيس: ثقة بلغني أن يحيى ضعفه، أي: بدون حجة. (ج/ص: 1/47)

بسم الله الرحمن الرحيم

أخبرنا الإِمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، قال: أنا الإِمام القاضي أبو عمرو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال:

حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، في المحرم سنة خمس وسبعين ومائتين، قال: