ولد يزيد بن معاوية أبو خالد الأموي سنة 25 أو 26 هجرية، وتوفي في نصف ربيع الأول من عام أربع وستين كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي، وفيه قال ابن سيرين: وفد عمر بن حزم على معاوية فقال له: أذكرك بالله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم بمن نستخلف عليها. فقال: نصحت وقلت برأيك، وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم وابني أحق. وقال عطية بن قيس: خطب معاوية فقال: اللهم إن كنت عهدت ليزيد لما رأيت من فضله فبلغه ما أملت وأعنه، وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده وأنه ليس لما صنعت أهلاً فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك اهـ.
ولكن السيوطي بعد ذلك ذكر كثيراً عن يزيد وثلبه ثلباً فاضحاً ولعنه، وما أظنه إلا مدسوساً عليه أو متابعاً لغيره من المؤرخين الذين يجمعون بين الغث والسمين، مع أنه لو أراد أن يحك أخبار تاريخه على محك علم الحديث الذي هو رضي الله عنه أبوه وأمه، لما استطاع أن يجمع معشار ما جمع في تاريخه.
[ص 120]
وإني كغيري من المؤرخين، لا أتورع في جمع سائر أخبارهم إلا ما فيه منقصة ظاهرة للسلف أو كان مستبعد الوقوع، فإني لا أسلم به ما لم أر صحة نقله بإسناد على طريق المحدثين ونقدهم، وهيهات أن تستوفي أخبار ذمهم شرطاً من الصحة.
من ذلك ما ذكره ابن الوردي في تاريخه في وقائع سبع وستين في ذكره وفاة الأحنف أبي بحر الضحاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة، الذي يضرب المثل بحلمه سيد قومه الموصوف بالعقل والعلم والدهاء والذكاء، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصحبه، ووفد على عمر فكان من كبار التابعين، وشهد مع علي صفين، ولم يشهد وقعة الجمل مع أحد الفريقين. كان أحنف الرجل يطأ على جانبها الوحشي. قال ابن الوردي بعد ما ذكر ذلك: حضر الأحنف عند معاوية فقام شامي خطيباً ولعن علي في آخر كلامه، فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتق الله ودع عنك علياً فقد لقي ربه وأفرد في قبره. وكان والله الميمونة نقيبته، العظيمة مصيبته. فقال معاوية: يا أحنف لقد أغضيت العين عن القذى فأيم الله لتصعدن المنبر وتلعنه طوعاً أو كرهاً. فقال الأحنف: أو تعفيني فهو خير لك. فألح عليه معاوية، فقال الأحنف: أما والله لأنصفنك في القول. قال: وما أنت قائل. قال: أحمد الله بما هو أهله، وأصلي على رسوله وأقول:
أيها الناس إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن علياً، ألا وإن علياً ومعاوية اختلفا فاقتتلا، وادعى كل منهما أنه مبغى عليه، فإذا دعوت فأمنوا، ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك ورسلك وجميع خلقك الباغي
[ص 121]
منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية، اللهم العنهم لعناً كثيراً، أمنوا رحمكم الله. يا معاوية أقوله ولو كان فيه ذهاب روحي. فأعفاه معاوية من ذلك اهـ.
أقول: ومن أين نقلت هذه القصة؟. وأن ابن الوردي رحمه الله لا يخلو تاريخه من هذه الروايات، التي لو امتحنت على محك ما قدمنا في أول الرسالة من نقل الأخبار لعريت هي وأمثالها عن أثر للصحة أو المرجع، إلا لمن يدس الأخبار لأغراض مذهبية، ولو عريت كتب التاريخ عنها لأصبحت كالصبارة التي يخرج منها بزرها، وإني أجهد نفسي بأن أعثر على مصدر لهذه الأخبار الواهية فلا أرى إلا مؤرخاً رواها عن مؤرخ، ولا تعرف لها سنداً ولا مخرجاً. ولا يعقل هذا من معاوية رضي الله عنه. بل إن معاوية أعقل وأدهى من أن يكلف مثل الأحنف بهذا الأمر، أو أن يتجرأ على لعن من لم تسجد جبهته لغير ربه عز وجل، مع أنه يعلم أحقيته بالأمر وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحصانة معاوية رضي الله عنه عن بذيء الكلام تبعد عنه مثل هذه الأكاذيب. وقد تقدم ما نقله ابن حجر في زواجره من وصف ضرار لسيدنا علي وثناء معاوية عليه، وكم من بون بين الخبرين، والعقل السليم يحكم بصحة المقبول منهما وإلى الله المصير.
ومن ذلك ما يتناقله المؤرخون من ظلم يزيد لأهل البيت، وما ينسبون إليه من الفظائع والفجائع التي وقعت بهم. وإنما كان أمره لا يتعدى جمع كلمة الملك ورد من يريد تفريقها. وكان إجماع المسلمين على انعقاد الإمارة بالعهد من الخليفة السابق، كما جرى ذلك في عهد أبي بكر رضي الله عنه لعمر، أو بيعة أهل الحل والعقد، كما جرى لعمر وعثمان رضي الله عنهما، وكلاهما حصل ليزيد من أبيه وبعد وفاته.
[ص 122]
وفي كتاب الفتن من البخاري ما نصه: باب، إذا قال عند قوم شيئاً ثم خرج فقال بخلافه: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة”. وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه اهـ.
فانظر يا رعاك الله إلى شهادة هذا الصحابي الجليل بصحة بيعة هذا الإمام، أفلا كان يعلم ابن عمر بما يجوز به خلع يزيد وما لا يجوز؟. وما عسى أحداً أن يتقول بعد هذه الشهادة؟. وستسمع ذكر شيء عن الحجاج في سبب مقتل سيد التابعين سعيد بن جبير رضي الله عنه، ما ترفع الملامة به عن الحجاج ونكل أمرهما إلى الله.
فبيعة يزيد إذن بيعة شرعية ومن خرج عليه كان باغياً. ولم تجتمع كلمة المسلمين أكثر من اجتماعهم على بيعة يزيد، فالتشنيع عليه خروج عن جادة الحق والصواب ولما استنكف من استنكف فما هو إلا من بعض من رأوا أحقيتهم بها وقاموا لتأييد حقهم واسترجاعه، ولكونهم أورع وأعدل منه بلا شبهة، ولكن هذا إنما كان بعد انعقاد البيعة له واستتباب الأمر إليه فقام هو أيضاً يدافع عن بيعته كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. ولم يأمر أمراءه وجنده أن يفعلوا ما فعلوه من التعدي على حرمة أهل البيت رضي الله عنهم ولعن الله من هتك حرمتهم.
فقد ذكر في حياة الحيوان أنه لما أتى شمرين ذي الجوشن الملعون برأس
[ص 123]
الحسين ورماه بين يدي يزيد قال له: يا أمير المؤمنين ورد علينا هذا (يعني الحسين) في ثمانية عشر رجلاً من أهل بيته وستين رجلاً من شيعته، فسرنا إليهم وسألناهم النزول على حكم أميرنا عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال، فغدونا عليهم عند شروق الشمس واحتطنا بهم من كل جانب، فلما أخذت السيوف مأخذها جعلوا يلوذون لوذان الحمام من الصقور، فما كان إلا مقدار جزر أو جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم مزملة وخدودهم معفرة تسفي عليهم الرياح زوارهم العقبان ووفودهم الرخم.
فلما سمع يزيد ذلك دمعت عيناه وقال: ويحكم كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة، والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه. ثم قال: يرحم الله أبا عبد الله. ثم تمثل بقول الشاعر:
يفلقن هاماً من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ثم أمر بالذرية فأدخلوا دار نسائه. وكان يزيد إذا حضر غداؤه دعا علياً ابن الحسين وأخاه عمر بن الحسين فأكلا معه، ثم وجه الذرية صحبة علي بن الحسين إلى المدينة ووجه معه رجلاً في ثلاثين فارساً يسير أمامهم حتى انتهوا إلى المدينة.
وكان قتله يوم عاشوراء في سنة ستين – ذكره أبي حنيفة رضي الله عنه في الأخبار الطوال – وهي السنة التي دعا ابن الزبير فيها إلى نفسه بالخلافة بمكة اهـ.
وفي تاريخ ابن جرير الطبري في وقائع سنة إحدى وستين، أنهم لما انتهوا إلى باب يزيد رفع محفز بن ثعلبة صوته فقال: هذا محفز بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللثام الفجرة. قال: فأجابه يزيد بن معاوية: ما ولدت أم محفز شرٌّ وألأم.
[ص 124]
وفي تاريخ ابن جرير في وقائع (61) قال: ثم أمر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة معهن ما يصلحهن وأخوهن معهن علي بن الحسين في التي هن فيها. قال: فخرجن حتى دخلن دار يزيد، فلم تبق من آل معاوية امرأة إلا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين، فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين إليه.
أما ويكفيه فخراً ما ذكره في الجامع الصغير برمز البخاري، عن أم حرام بن ملحان – بن خالد بن زيد بن حرام الأنصارية النجارية، خالة أنس، وزوجة عبادة بن الصامت، يقال لها العميصاء والرميصاء، لها مناقب، وكان أهل الشام يستسقون بها، كما في المناوي -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا، وأول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم”. وكلا الوصفين ثابت ليزيد بن معاوية رضي الله عنه. فقد ذكر ابن حجر في الإصابة في ترجمة خالد بن زيد بن كليب المكنى بأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ما نصه: ولزم أبو أيوب الجهاد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي في غزاة القسطنطينية سنة 50 وقيل إحدى وخمسين وقيل اثنتين وخمسين وهو الأكثر. وقال أبو زرعة الدمشقي عن دحيم عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز قال: أغزا معاوية ابنه سنة خمس وخمسين في جماعة من الصحابة في البر والبحر حتى أجاز القسطنطينية وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها اهـ.
وذكر في كتاب تبيين المحارم للشيخ سنان الدين الأماسي المتوفى بمكة سنة ألف، وهو كتاب من أجل كتب الحنفية التي يعتمد في النقل عنه ما نصه: في الغلول قال: وعن يزيد بن معاوية أنه كتب إلى أهل البصرة: سلام عليكم، أما بعد فإن رجلاً سأل النبي عليه الصلاة والسلام زماماً من
[ص 125]
شعر من الغنيمة فقال: “سألتني زماماً من نار، لم يكن لك أن تسألنيه، ولم يكن لي أن أعطيه”. رواه أبو داود. فهل يعقل أن من يروي مثل هذا ويكتبه أن يرتكب ما اختلق عليه من الفظائع.
أما ما ذكره المناوي في شرح الجامع الصغير ونصه: ولا يلزم من كون يزيد بن معاوية مغفوراً له لكونه منهم، إذ أن الغفران مشروط بكون الإنسان من أهل المغفرة، ويزيد ليس كذلك لخروجه بدليل خاص. ويلزم من الجمود على العموم أن من ارتد ممن غزاها مغفور له. وقد أطلق جمع محققون حل لعن يزيد به حتى قال التفتازاني: الحق أن رضى يزيد بقتل الحسين وإهانته أهل البيت مما تواتر معناه وأن كل تفاصيله أحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه. قال الزين العراقي: وقوله: بل في إيمانه، أي: بل لا يتوقف في عدم إيمانه بقرينة ما قبله وما بعده اهـ.
فما أظن إلا أن هذا الكلام مدسوس عليه وعلى أمثاله، دسه بعض أعداء يزيد لتناقضه:
أولاً – إن الردة انقضت من زمن أبي بكر رضي الله عنه، ولم ينقل ارتداد أحد من الجيش الذي مع يزيد حتى نحتج بذلك.
ثانياً – لو كان القاتل هو بنفسه، فالقتل كبيرة لا يلزم منه الكفر إلا مع الاستحلال، ولم ينقل عن يزيد ما يوجب كفره لا بسند قوي ولا ضعيف، بل ولا رضاه بالقتل، وإنما نقل إنكاره لهذا الفعل الذميم كما تقدم.
على أن هذه القافية النونية: إيمانه، أعوانه، كأنها أعجبت من دسها
[ص 126]
حتى نقلها المناوي عن التفتازاني ونقلت عن أحمد بن حنبل ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ولقد عجبت من بعض المعاصرين قوله: إن الجيش الذي ذهب لحصار القسطنطينية بإمرة يزيد بن أبي سفيان أخي معاوية، مع أن يزيد هذا كان من الأمراء الذين شاركوا أبا عبيدة وخالداً في فتوح الشام، وتوفي في طاعون عمواس وأبو عبيدة ومعاذ بن جبل وأكثر من عشرين ألفاً من جند المسلمين، حتى لم يبق من الجنود الفاتحين إلا نحو النصف فتجبل بهم عمرو بن العاص، أي لحقوا شواهق الجبال حتى رفعه الله عنهم. وكان الطاعون سنة 17 إلى 18 من الهجرة تقريباً. فأين هو من سنة (55) فما فوق فإن يزيد بن أبي سفيان كان ميتاً قبل حصار القسطنطينية بأكثر من ثلاثين سنة كما هو شهير معروف، والله أعلم.
وقال في روح البيان في تفسير سورة هود ما نصه: قال ابن الصلاح في فتاواه: قاتل الحسين رضي الله عنه لا يكفر بذلك وإنما ارتكب ذنباً عظيماً. وإنما يكفر بالقتل قاتل نبي من الأنبياء. ثم قال: والناس في يزيد ثلاث فرق: فرقة تتولاه وتحبه. وفرقة تسبه وتلعنه. وفرقة متوسطة في ذلك لا تتولاه ولا تلعنه وتسلك به مسالك سائر ملوك الإسلام وخلفائهم غير الراشدين في ذلك، وهذه الفرقة هي المصيبة ومذهبها هو اللائق بمن يعرف سير الماضين ويعلم قواعد الشريعة المطهرة اهـ.
وفيه في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}. بعد ما قسم اللعن إلى ثلاثة أقسام قال: والثالثة اللعن على الشخص، فإن كان مما ثبت كفرهم شرعاً يجوز لعنه إن لم يكن فيه أذى على مسلم، كقولك: لعنة الله على فرعون وأبي جهل لأن هؤلاء ثبت أنهم ماتوا على الكفر، وعرف ذلك شرعاً، وإن
[ص 127]
كان لم يثبت شرعاً كلعنة زيد أو عمرو أو غيرهما بعينه فهذا فيه خطر لأن حال خاتمته غير معلوم، وربما يسلم الكافر أو يتوب فيموت مقرباً عند الله، فكيف يحكم بكونه ملعوناً، ألا ترى أن وحشياً قتل عم النبي صلى الله عليه وسلم، أعني حمزة رضي الله عنه ثم أسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم وبشره بالجنة؟، وهذه حجة من لم يلعن يزيد، لأنه يحتمل أن يتوب ويرجع ومع هذا الاحتمال لا يلعن.
وقال في تفسير سورة الحجر: حكي أنه قيل لابن سيرين: ما لك لا تقول في الحجاج شيئاً. قال: أقول فيه حتى ينجيه الله بتوحيده ويعذبني باغتيابه؟. ومن هنا أمسك بعضهم عن لعن يزيد. وكان فضيل يقول: ما لعنت إبليس قط وإن كان ملعوناً في نفس الأمر كما نطق به القرآن. فكيف بلعن من اشتبه حاله وحال خاتمته وعاقبته اهـ.
أقول: وهذا لعمري ما نلقى الله عليه. وإني أتحدى كل من ينقل بثبت صحيح عنه أنه أمر أو رضي بقتل الحسين، بل ما تقدم وتواتر عنه عدم رضائه، ونقمته على من قتله. وقد صرح ابن حجر في زواجره عدم ثبوت أمره بقتل الحسين رضي الله عنه ونص عبارته: ثم محل حرمة اللعن إن كان لمعين، فالمعين لا يجوز لعنه وإن كان فاسقاً كيزيد بن معاوية رضي الله عنه أو ذمياً حياً أو ميتاً ولم يعلم موته على الكفر، لاحتمال أنه يختم له أو ختم له بالإسلام، بخلاف من علم موته على الكفر، كفرعون وأبي جهل وأبي لهب ونظرائهم. وأما ما وقع لبعضهم من لعن يزيد فهو تهور بناء على القول بإسلامه، وهو الظاهر. ودعوى جمع أنه كافر لم يثبت ما يدل عليها، بل أمره بقتل الحسين لم يثبت أيضاً، ولهذا أفتى الغزالي بحرمة لعنه اهـ.
[ص 128]
وقد نقل الدميري في حياة الحيوان بعض أقوال من طعن فيه، وبعض أقوال من اعتدل فيه، ومن جملة ما نقل بحرف الفاء في لفظ الفهد ما نصه: وقد أفتى الغزالي في هذه المسألة بخلاف ذلك، فإنه سئل عمن يصرح بلعن يزيد بن معاوية هل يحكم بفسقه أم يكون ذلك مرخصاً فيه؟ وهل كان يريد قتل الحسين أم كان قصده الدفع؟. وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت عنه أفضل؟.
فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلاً ومن لعن المسلم فهو الملعون، وقد قال عليه الصلاة والسلام: “المسلم ليس بلعان”. وكيف يجوز لعن المسلم، وقد ورد النهي عن ذلك؟. وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله للحسين رضي الله تعالى عنه، ولا أمره ولا رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك عنه لم يجز أن نظن ذلك به، فإن إساءة الظن أيضاً بالمسلم حرام. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم}. وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه، وأن يظن به ظن السوء”. ومن أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله لم يقدر على ذلك، وإذا لم يعلم، وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، ومع هذا لو ثبت على مسلم أنه قتل مسلماً، فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر. والقتل ليس بكفر بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة. والكافر لو تاب من كفره لم يجز لعنه. فكيف إذا تاب من قتل؟. ولم يعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة. {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} فإذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقاً عاصياً لله عز وجل. ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصياً بالإجماع. بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له يوم القيامة لِمَ لَمْ تلعن إبليس؟. ويقال للذي لعن: لِمَ لعنت؟ ومن أين عرفت أنه ملعون والملعون هو المبعد من الله عز وجل، وذلك
[ص 129]
لا يعرف إلا فيمن مات كافراً. فإن ذلك علم بالشرع. وأما الترحم عليه فجائز بل مستحب بل داخل في قولنا: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنه كان مؤمناً اهـ. ما نقله عن الغزالي.
وفي فتاوى الشهاب الرملي ما نصه: سئل عن يزيد بن معاوية هل يجوز لعنه لأنه قتل سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بقتله، أو لا يجوز لعنه لأنه لم يقتله ولم يأمر بقتله، وفي عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل علياً هل هو مسلم أو كافر؟.
أجاب بأنه لا يجوز لعن يزيد بن معاوية كما صرح به جماعة، منهم صاحب الخلاصة وغيره، لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن لعن المصلين ومن كان من أهل القبلة، ولا يخالفه قول بعض المتأخرين: اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين أو أمر بقتله أو أجازه أو رضي به، لأن معناه من باب لعن الله الخمرة وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها. رواه أبو داود وابن ماجه. بل لم يثبت أنه قتل الحسين رضي الله عنه ولا أمر بقتله كما صرح به جماعة، منهم حجة الإسلام الغزالي. وقال في الأنوار: ولا يجوز لعن يزيد ولا تكفيره، فإنه من جملة المؤمنين إن شاء رحمه وإن شاء عذبه. قال الغزالي والمتولي وغيرهما: وقد طعن الحسين سنان بن أنس فأنفله عن فرسه، وأجهز عليه خولي بن يزيد بن حمير، ونزل ليحز رأسه فأرعدت يداه، فنزل أخوه سبل بن يزيد فاحتز رأسه ودفعه إلى أخيه خولي. ولما قدموا به على يزيد، وذكروا له قتله دمعت عيناه وقال: ويحكم كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة أما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه. ثم قال: رحم الله أبا عبد الله وغفر له. ولما دخل عليه علي بن الحسين في السبي قال: خلوا عنهم واضربوا عليهم القباب. وأمال إليهم المطبخ وكساهم وأخرج لهم جوائز كثيرة ثم قال: لو كان بينهم وبين ابن مرجانة نسب ما قتلهم. ثم ردهم إلى المدينة.
[ص 130]
وقد علم مما ذكرته ومما أقدم السعد التفتازاني عليه من التصريح بلعن يزيد على التعيين، مستنداً إلى تفاصيل ما نقل عنه من رضاه بقتل الحسين واستبشاره به، فقد تواتر القدر المشترك بينهما وتبين أن الحق في أي جانب منهما اهـ.
وقال الغزالي: اعلم أنك في هذا المقام إما أن تسيء الظن بمسلم وتطعن فيه وتكون كاذباً أو تحسن الظن به وتكف لسانك عن الطعن فيه وأنت المخطئ، فالخطأ في حسن الظن بالمسلمين أسلم من الصواب بالطعن فيهم. فلو سكت إنسان عن لعن إبليس أو لعن أبي جهل أو لعن أبي لهب أو من شئت من الأشرار طول عمره لم يضره السكوت، ولو هفا هفوة بالطعن في مسلم بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد تعرض للهلاك. وأما عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل علياً كرم الله وجهه فقد قال الشافعي رضي الله عنه إنه قتله متأولاً بأنه وكيل امرأة قتل علي أباها فاقتص منه. يعني متأولاً عند نفسه فيما كان مخطئاً فيه وفيما لا يحتمل التأويل. وليس كل من تأول كان له أن يتأول. وقد قطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع. ثم أرادوا قطع لسانه فجزع، فقيل له: لم لا جزعت لقطع يديك ورجليك، وجزعت لقطع لسانك. قال: إني أكره أن تمر ساعة من نهار ولا أذكر فيها اسم الله تعالى اهـ. ما رأيته في فتاوى الشهاب الرملي.
قلت: ومما يدل على عدم جواز اللعن ووجوب التنزه عنه ما في صحيح مسلم أواخره من كتاب البر والصلة والآداب باب النهي عن لعن الدواب وغيرها من حديث عمران بن حصين قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة”. قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد. ونحوه عن أبي برزة الأسلمي.
[ص 131]
وأخرج بسنده إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً. وأخرج بسنده إلى زيد بن أسلم أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد من عنده، فلما أن كان ذات ليلة قام عبد الملك من الليل فدعا خادمه فكأنه أبطأ عليه فلعنه، فلما أصبح قالت له أم الدرداء: سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته، فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة”.
الأنجاد جمع نجد: متاع البيت الذي يزينه من فرش ونمارق وستور كما في النووي.
وأخرج عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ادع على المشركين. قال: “إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة”. فهل يعقل بعد ما سمعت من الأحاديث جواز لعن هذا الرجل المسلم.
وأخرج قبل ذلك بقليل بسنده إلى عائشة رضي الله عنها، أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “ائذنوا له فلبئس ابن العشيرة، أو بئس رجل العشيرة”. فلما دخل عليه ألان له القول. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول. قال: “يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه” اهـ. نعم أخرج مسلم هناك عن عائشة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله لَمَنْ أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هذان قال: “وما ذاك”. قال: قلت: لعنتهما وسببتهما. قال: “أو ما علمت ما شارطت عليه ربي، قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً” اهـ.
[ص 132]
فهذا من النبي صلى الله عليه وسلم يحمل على أنه زكاة ورحمة، ولكن من غيره إذا استجيب فهو بلاء ونقمة وغير جائز عملاً بالأحاديث المارة والله أعلم.
أما مذهب أهل السنة والجماعة من أهل التوحيد فهو ما ذكره صاحب بدء الأمالي لابن الحسن سراج الدين علي بن عثمان الأوشي قال:
ولم يلعن يزيداً بعد موت * سوى المكثار في الإغراء غال
قال شارحه علي بن محمد القاري: والمعنى: لم يلعن أحد من السلف يزيد بن معاوية، سوى الذين أكثروا القول في التحريض على اللعن وبالغوا في أمره وتجاوزوا عن حده، بأن قالوا رضاه بقتل الحسين واستبشاره وإهانته أهل البيت مما تواتر معنى كما ذهب إليه التفتازاني.
(وردَّ) بأنه لم يثبت بطريق الآحاد فكيف يدعي التواتر في مقام المراد؟. مع أنه نقل في التمهيد عن بعضهم أن يزيد لم يأمر بقتل الحسين، وإنما أمرهم بطلب البيعة أو بأخذه وحمله إليه، فهم قتلوه من غير حكمه. على أن الأمر بقتل الحسين، بل قتله ليس موجباً للعنه على مقتضى مذهب أهل السنة من أن صاحب الكبيرة لا يكفر، فلا يجوز عندهم لعن الظالم الفاسق كما نقله ابن جماعة يعني بعينه، وإلا فلا شك أنه يجوز لعنة الله على الظالم الفاسق لقوله تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين}. ولقوله عليه الصلاة والسلام: “لعن الله آكل الربا وموكله”.
قال محشيه: قوله ورد هكذا قال الكمال بن أبي شريف، ولعل هذا بالنسبة إلى اطلاع الشارح أي السعد. وأما نحن فلم نجده بلغ حد الشهرة وبالجملة فكلام التفتازاني في غاية من التعسف.
[ص 133]
وقال حجة الإسلام في الإحياء: فإن قيل: هل يجوز لعن يزيد لكونه قاتل الحسين أو آمراً به؟ قلنا: هذا أمر لم يثبت أصلاً، فلا يجوز أن يقال قتله أو أمر به فضلاً عن لعنه، ولأنه لا يجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق، بل لا يجوز أن يقال إن ابن ملجم قتل علي عليه السلام ولا أبو لؤلؤة قتل عمر، فإن ذلك لم يثبت متواتراً ولا يجوز أن يرمى مسلم بفسق وكفر من غير تحقيق. وعلى الجملة ففي لعن الأشخاص خطر فليجتنب، ولا خطر في السكوت عن لعن إبليس فضلاً عن غيره اهـ.
وأعدل الكلام وأحسنه في هذا الباب ما رأيته في روح البيان لتفسير سورة (ص) تحت قوله تعالى: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} الآية. قال: قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله: يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين رضي الله عنه وحكاياته، وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فإنه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم أعلام الدين، وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة فلعل ذلك لخطأ في الاجتهاد لا لطلب الرئاسة أو الدنيا كما لا يخفى انتهى. والحاصل أن معاصي الخواص ليست كمعاصي غيرهم بأن يقعوا فيها بحكم الشهوة الطبيعية، وإنما تكون معاصيهم بالخطأ في التأويل، فإذا أظهر الله لهم فساد ذلك التأويل الذي أداهم إلى ذلك الفعل حكموا على أنفسهم بالعصيان وتابوا ورجعوا إلى حكم العزيز المنان اهـ.
وقد ذكر الإمام ابن تيمية في جواب سؤال له عن المشهد المنسوب لسيدنا الحسين رضي الله عنه في مصر ما نصه قال:
والكلام في أحوال الملوك على سبيل التفصيل متعسر أو متعذر، لكن يعلم من حيث الجملة وهو أنهم هم وغيرهم من الناس ممن له حسنات وسيئات يدخلون بها في نصوص الوعد أو نصوص الوعيد.
[ص 134]
وتناول نصوص الوعد للشخص مشروط بأن يكون عمله خالصاً لوجه الله، موافقاً للسنة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”.
وكذلك شمول نصوص الوعيد له مشروط بأن لا يكون متأولاً تأويلاً مخطئاً، فإن الله عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان.
وكثير من تأويلات المتقدمين وما يعرض لها فيها من الشبهات معروفة بما يحصل بها من الهوى والشهوات، فيأتون ما يأتونه بشبهة وشهوة والسيئات التي يرتكبها أهل الذنوب تزول بالتوبة، وقد تزول بحسنات ماحية ومصائب مكفرة، وقد تزول بصلاة المسلمين عليه، وبشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في أهل الكبائر. فلهذا كان أهل العلم يختارون فيمن عرف بالظلم ونحوه مع أنه مسلم له أعمال صالحة في الظاهر – كالحجاج وأمثاله – أنهم لا يلعنون أحداً بعينه، بل يقولون كما قال الله تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين}. فيلعنون من لعنه الله ورسوله عاماً. كقوله صلى الله عليه وسلم: “لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها، وبائعها ومشتريها، وساقيها وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها”. ولا يلعنون المعين. كما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن رجلاً كان يدعى حماراً، وكان يشرب الخمر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلده، فأتي به مرة فلعنه رجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله”.
وذلك لأن اللعنة من باب الوعيد، والوعيد العام قد ينتفي في حق المعين لأحد الأسباب المذكورة، من توبة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، وغير ذلك.
[ص 135]
وطائفة من العلماء يلعنون المعين، وطائفة بإزاء هؤلاء يقولون بل نحبه، لما فيه من الإيمان يوالى عليه، إذ ليس كافراً.
والمختار عند الأئمة: أن لا نلعن معيناً، ولا نحب معيناً، فإن العبد قد يكون فيه سبب هذا وسبب هذا إذا اجتمع فيه من سبب الأمرين.
إذ كان من أصول أهل السنة، التي فارقوا بها الخوارج والمعتزلة والمرجئة: أن الشخص الواحد تجتمع فيه حسنات وسيئات، فيثاب على حسناته، ويعاقب على سيئاته، ويحمد على حسناته، ويذم على سيئاته، وأنه من وجه: مرضي محبوب، ومن وجه: بغيض مسخوط. فلهذا كان لأهل الأحداث: هذا الحكم.
وأما أهل التأويل المحض، الذي يسوغ تأويلهم: فأولئك مجتهدون مخطئون خطؤهم مغفور لهم، وهم مثابون على ما أحسنوا فيه من حسن قصدهم واجتهادهم في طلب الحق واتباعه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر”.
ولهذا كان الكلام في السابقين الأولين ومن شهد له في الجنة، كعثمان وعلي وطلحة والزبير ونحوهم له حكم آخر، بل ومن هو دون هؤلاء، مثل أكابر أهل الحديبية الذين بايعوا تحت الشجرة، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة”.
فهؤلاء ونحوهم فيما شجر بينهم، إما أن يكون عمل أحدهم سعياً مشكوراً، أو ذنباً مغفوراً، أو اجتهاداً قد عفي لصاحبه عن الخطأ فيه. فلهذا كان من أصول أهل العلم: أنه لا يمكن أحد من الكلام في هؤلاء بكلام يقدح في عدالتهم وديانتهم، بل يعلم أنهم عدول مرضيون، رضي الله عنهم
[ص 136]
وأرضاهم، لا سيما والمنقول عنهم من العظائم كذب مفترى، مثلما كان طائفة من شيعة عثمان يتهمون علياً بأنه أمر بقتل عثمان، أو أعان عليه، وكان بعض من يقاتله يظن ذلك فيه، وكان ذلك من شبههم التي قاتلوه بها، وهي شبهة باطلة، وكان علي يحلف - وهو الصادق البار -: إني ما قتلت عثمان، ولا أعنت على قتله. ويقول: اللهم شتت قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل. وكانوا يجعلون امتناعه من تسليم قتلة عثمان من شبههم في قتاله، وعلي لم يكن متمكناً من أن يعمل كل ما يريده من إقامة الحدود ونحو ذلك، لكون الناس مختلفين فئات، وعسكره وأمراء عسكره غير مطيعين له في كل ما كان يأمرهم به. فإن التفرق والاختلاف يقوم فيه من الشر والفساد وتعطيل الأحكام ما يعلمه من يكون من أهل العلم العارفين بما جاء من النصوص في فضل الجماعة والإسلام.
ويزيد بن معاوية: قد أتى أموراً منكرة. منها: وقعة الحرة بسبب خلعهم بيعته، وقد امتنع ابن عمر عن خلعه. وقد جاء في الصحيح عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً”. وقال: “من أراد أهل المدينة بسوء أماعه الله كما ينماع الملح في الماء”.
ولهذا قيل للإمام أحمد: أتكتب الحديث عن يزيد؟ فقال: لا، ولا كرامة، أو ليس هو الذي فعل بأهل الحرة ما فعل. وقيل له: إن قوماً يقولون إنا نحب يزيد. فقال: وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟. فقيل: فلماذا لا تلعنه؟. فقال: ومتى رأيت أباك يلعن أحداً اهـ.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب، ولا بمجرد التأويل، بل الشخص الواحد إذا كانت له حسنات وسيئات فأمره إلى لله تعالى.
[ص 137]
وهذا الذي ذكرناه: هو المتفق عليه بين الناس في مقتله رضي الله عنه.
وقد رويت زيادات: بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، وبعضها كذب موضوع.
والمصنفون من أهل الحديث في ذلك كالبغوي وابن أبي الدنيا ونحوهما، كالمصنفين من أهل الحديث في سائر المنقولات، هم بذلك أعلم وأصدق بلا نزاع بين أهل العلم، لأنهم يسندون ما ينقلونه عن الثقاة أو يرسلونه عمن يكون مرسله مقارب الصحة، بخلاف الإخباريين، فإن كثيراً مما يسندونه يسندونه عن كذاب أو مجهول، وأما ما يرسلونه فظلمات بعضها فوق بعض، وهؤلاء لعمري ممن ينقل عن غيره مسنداً أو مرسلاً.
وأما أهل الأهواء ونحوهم فيعتمدون على نقل لا يعرف له قائل أصلاً لا ثقة ولا ضعيف، وأهون شيء عندهم الكذب المختلق، وعلم من فيهم لا يرجع فيما ينقله إلى عمدة، بل إلى سماعات عن المجاهيل والكذابين، وروايات عن أهل الإفك المبين.
فقد تبين أن القصة التي يذكرون فيها حمل الرأس إلى يزيد، ونكته بالقضيب كذبوا فيها، وأن الحمل كان إلى ابن زياد - وهو الناكت بالقضيب - ولم ينقل بإسناد معروف أن الرأس حمل إلى قدام يزيد.
ولم أرى في ذلك إلا إسناداً منقطعاً، قد عارضه من الروايات ما هو أثبت منه وأظهر، نقلوا فيها أن يزيد لما بلغه مقتل الحسين أظهر التألم من ذلك وقال: لعن الله أهل العراق، لقد كنت أرضى من طاعتهم بدون هذا. وقال في ابن زياد: أما إنه لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله. وأنه ظهر في داره الندب لمقتل الحسين. وأنه لما قدم عليه أهله وتلاقى النساء
[ص 138]
تباكين، وأنه خير ابنه علياً بين المقام عنده والسفر إلى المدينة، فاختار السفر إلى المدينة فجهزه إلى المدينة جهازاً حسناً.
فهذا ونحوه مما نقلوه بالأسانيد التي هي أصح وأثبت من ذلك الإسناد المنقطع المجهول، يبين أن يزيد لم يظهر الرضى بقتل الحسين، وأنه أظهر الألم لقتله، والله أعلم بسريرته.
وقد علم أنه لم يأمر بقتله ابتداء، لكنه مع ذلك ما انتقم من قاتليه، ولا عاقبهم على ما فعلوا، إذ كانوا قتلوه لحفظ ملكه، ولقد قام بالواجب في الحسين وأهل البيت رضي الله عنهم أجمعين، ولم يظهر له من العدل وحسن السيرة ما يوجب حمل أمره على أحسن المحامل، ولا تقل لأحد من سيرته أنه كان على أسوأ الطرائق التي توجب الحد، نعم لقد ظهر من أمره في أهل الحرة ما لا نستريب أنه عدوان محرم وكان له موقف في القسطنطينية – وهو أول جيش غزاها – ما يعد من الحسنات.
والمقصود هنا: أن نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له في زمن يزيد فكيف ينقله بعد زمن يزيد؟ وإنما الثابت هو نقله إلى أمير العراق عبد الله بن زياد بالكوفة، والذي ذكر العلماء أنه دفن بالمدينة.
وأما ما يرويه من لا عقل له يميز به ما يقول، ولا له إلمام بمعرفة المنقول من أن أهل البيت سبوا، وأنهم حملوا على البخاتي، وأن البخاتي نبت لها من ذلك الوقت سنامان، فهذا الكذب الواضح الفاضح لمن يقوله، فإن البخاتي قد كانت من قبل ذلك كما كان غيرها من أجناس الحيوان، والبخاتي لا تستر امرأة، ولا سبى أهل البيت أحد، ولا سبى منهم أحد، بل هذا كما يقولون الحجاج قتلهم.
وقد علم أهل النقل كلهم أن الحجاج لم يقتل أحداً من بني هاشم كما عهد إليه خليفته عبد الملك، وأنه لما تزوج بنت عبد الله بن جعفر شق ذلك
[ص 139]
على بني أمية وغيرهم من قريش، ورأوه ليس بكفء لها، ولم يزالوا به حتى فرقوا بينه وبينها. بل بنو مروان على الإطلاق لم يقتلوا أحداً من بني هاشم لا آل علي ولا آل العباس إلا زيد بن علي المصلوب بكناسة الكوفة وابنه يحيى اهـ. ما عن ابن تيمية.
وحاصل ما يشهد ليزيد بحسن الحال أربعة أحاديث من الصحاح لا يعادلها شيء بصحتها ولا بأدنى منها في الغض منه ولا يصرفها عنه صارف إلا بتحامل وتعسف.
أحدها: ما قدمناه من كتاب الفتن في البخاري أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد جمع عبد الله بن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة”. وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه.
الحديث الثاني: ما قدمنا من حديث الجيش الذي يغزو مدينة الروم، فقد أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، قال: حدثني إسحاق بن يزيد الدمشقي حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان أن عمر بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحل حمص وهو في بناء له ومعه أم حرام أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا”. قال أم حرام: قلت يا رسول الله إنا فيهم، قال: “أنت فيهم”. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم”. فقلت: أنا فيهم يا رسول الله، قال: “لا” اهـ.
[ص 140]
وكلا الوصفين ثبتا ليزيد رحمه الله لأنه كان أول جيش غزا مدينة الروم وأول جيش غزا البحر.
وأما ما ذكره ابن الوردي في وقائع سنة ثمان وأربعين أن معاوية بعث جيشاً مع سفيان بن عوف فحاصروا القسطنطينية، ومن الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وتوفي هذا ودفن قريباً من سورها شهد أحداً وبدراً ومع علي صفين وغيرها اهـ.
فيحتمل أن سفيان بن عوف كان من جملة المقدمين في غزو يزيد الذي أرسله معاوية إن صح ذلك.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء الثامن عشر من فتاويه المطبوع سنة 1382 هـ في الكلام على حديث: “إنما الأعمال بالنيات” وكلامه على كتاب تنقلات الأنوار في صحيفة (352) ما نصه: قال رحمه الله: وكذلك أبو محمد البطال كان من أمراء المسلمين المعروفين وكان المسلمون قد غزوا القسطنطينية غزوتين: الأولى في خلافة معاوية أمر فيها ابنه يزيداً وغزا معه أبو أيوب الأنصاري الذي نزل النبي صلى الله عليه وسلم في داره لما قدم مهاجراً إلى المدينة، ومات أبو أيوب في تلك الغزوة ودفن إلى جانب القسطنطينية. وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم”. والغزوة الثانية في خلافة عبد الملك بن مروان أمر ابنه مسلمة أو خلف الوليد ابنه وأرسل معه جيشاً عظيماً وحاصروها وأقاموا عليها مدة سنين، ثم صالحوهم على أن يدخلوها وبنوا فيها مسجداً باقٍ إلى اليوم اهـ.
الحديث الثالث: ما نقله ابن كثير في تفسير سورة المائدة تحت قوله تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً}.
[ص 141]
ما نصه: قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرأ القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، لقد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل”. هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً”. ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي فسألته، أي ماذا قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كلهم من قريش”. وهذا لفظ مسلم اهـ.
قلت: ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة، ولا شك أن بني أمية من قريش كلهم لأنهم يجتمعون مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف وهو الأب الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم وقريش فوقه وإنها لمنقبة عظيمة لهم.
ومن المعلوم أنه لم يمض قبل يزيد هذا العدد حتى يكون خارجاً عنهم، ومن أوَّله أنه لا يلزم تواليهم وأنهم قد يكونون بفواصل كابن كثير أو من حملهم على الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد بهم الاثنا عشرية فهو حمل بغير دليل.
أما أولاً فظاهر الحديث التتابع.
وأما ثانياً فإن الاثني عشر لم يبايعهم المسلمون حتى يسموا أئمة وخلفاء في اصطلاح الأئمة وشروطهم وإن كانوا هم أئمة المسلمين وهداتهم وذرية سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهم. فاتباع جادة الصواب أولى وترك العصبية والعناد أجلى وأغلى.
[ص 142]
الحديث الرابع: الذي يتناول يزيد بعمومه ولا يوجد حديث يستثنيه من ذلك العموم قوله صلى الله عليه وسلم: “خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم”. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود، قال المناوي شارح الجامع الصغير، قال المصنف: يشبه أن الحديث متواتر اهـ.
أما البخاري فأخرجه في الشهادات وفضل الصحابة وغيرهما من صحيحه. ومسلم في الفضائل. والنسائي في النذور كما في شرح رياض الصالحين وفي المناوي والنسائي في الشروط وابن ماجه في الأحكام، وأخرجه الطبراني والحاكم عن جعدة بن هبيرة، والحديث بألفاظ مختلفة ومعان متوافقة.
قال شارح رياض الصالحين: قال السيوطي في التوشيح: القرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، والأصح أن لا يضبط بمدة، فقرنه صلى الله عليه وسلم هم الصحابة، وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من الصحابة مائة وعشرين سنة اهـ.
وذكر ابن كثير في كتاب البداية والنهاية في ترجمة يزيد ما له وما عليه وساق هذا الحديث وقال عن زرارة بن أبي أوفى: إن القرن عشرون ومائة سنة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قرن وكان آخره موت يزيد بن معاوية اهـ.
ومن الأكاذيب التاريخية ما يروونه في موت الحسن رضي الله عنه، وذكره الحلبي في سيرته كعادته في عدم تحري الأخبار، قال: وكان من جملة ما اشترطه معاوية رضي الله عنه أن يكون الأمر شورى بين المسلمين بعده، ولا يعهد إلى أحد من بعده عهداً. وقيل على أن يكون الأمر للحسن بعده. فلما سم الحسن اتهم بذلك زوجته بنت الأشعث بن قيس وأن ذلك
[ص 143]
بدسيسة من يزيد ولد معاوية ووعدها أن يتزوجها وبذل لها مائة ألف درهم حرصاً على أن يكون الأمر له فإن معاوية عرض بذلك في حياة الحسن ولم يكشفه إلا بعد موته، ولما جاء الخبر لمعاوية بموته رضي الله عنه قال: يا عجباً من الحسن بن علي شرب شربة من عسل بماء رومة، يعني بئر رومة، فقضى نحبه، وأتى ابن عباس معاوية وهو لا يعلم الخبر. فقال له معاوية: هل عندك خبر المدينة. قال: لا. فقال له معاوية: يا ابن عباس احتسب الحسن لا يحزنك الله ولا يسوءك. فأظهر عدم التشوش وقال: أما ما أبقاك الله لي يا أمير المؤمنين فلا يحزني الله ولا يسوءني. فأعطاه على تلك الكلمة ألف ألف. وذكر بعضهم قال: كنا عند الحسن رضي الله عنه ومعنا الحسين رضي الله عنه. فقال الحسن: لقد سقيت السم مراراً. وما سقيته مثل هذه المرة ولقد لفظت طائفة من كبدي. فقال له الحسين: أي أخي ومن سقاك؟. قال: وما تريد؟ أتريد أن تقتله؟. قال: نعم. قال: لئن كان الذي أظن فالله أشد نقمة، ولئن كان غيره ما أحب أن تقتل بي بريئاً. وكان الحسن رضي الله عنه رجلاً حليماً لم يسمع منه كلمة فحش. وكان مروان وهو والٍ على المدينة يسبه ويسب علياً كرم الله وجهه كل جمعة على المنبر. فقيل له في ذلك، فقال: لا نمحو عنه شيئاً بأن أسبه، ولكن موعدي وموعده الله، فإن كان صادقاً جازاه الله بصدقه، وإن كان كاذباً فالله أشد نقمة اهـ.
ولعمري إن هذه القصة من أفرى الفريات من أولها إلى آخرها، وليت ناقلها ذكر السند حتى نمحصه ونعلم الراوي لها، وهل كان أهل البيت قليلي الأنصار حتى يسكت الحسين عن ذلك وهو حي؟ وهل يستطيع مروان أن يسب علياً على المنبر وما أحد يجيبه؟ وما هذه الأقاصيص إلا لإثارة حمية أحباب أهل البيت وإيقاد الفتن بين المسلمين، ولكن حبذا لو
[ص 144]
ذكر سند شيء منها حتى نناصب العداء للكاذب ونكل أمره إلى المنتقم الجبار.
هذا وقد تضمن ما ذكرنا أربعة أحاديث صحاحاً ذكرها البخاري وغيره تخالف جميع هذه الأكاذيب، وتدل دلالة صريحة على حسن حال بني أمية، فليصدق أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أراد، وليركب من أراد أسنة التأويل والعناد، وتقدمت مفصلة.
وما أحسن جواب معاوية لعمر بن حزم حين قال: لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، ثم دعا على ابنه إن لم يصلح لهذا الأمر، مما يدل على تحريه الحق والصواب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما تقدم.
وما أحسن فعل يزيد بآل البيت حين وفدوا إليه مما لو كانوا أعز الناس إليه لم يقم لهم بما قام لأهل البيت رضي الله عنهم، فهذه مناقب ثابتة لا شك فيها، ومساويه فيها وفي سندها كل الشك والريب، والله أعلم بالغيب، وانظر وتذكر ما قدمناه مما نقله الشيخ سنان الدين الأماسي في كتابه تبيين المحارم الذي هو معتمد فقهاء الحنفية المتأخرين في باب الغلول من كتابه لأهل البصرة ما يدل على ورعه الزائد ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ص 145]