الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزمالجزء الرابع: › الكلام في الإمامة والمفاضلة: › الرد على من اعترض بقوله تعالى: (وورث سليمان داود):

ابحث في الصفحة

فإن اعترض معترض بقول الله عز وجل: (وورث سليمان داود)، وبقوله تعالى (الجزء/الصفحة:4/76) حاكيا عن زكريا عليه السلام أنه قال: (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا).

قال أبو محمد: وهذا لا حجة فيه؛ لأن الرواة حملة الأخبار وجميع التواريخ القديمة كلها، وكواف بني إسرائيل ينقلون بلا خلاف، نقلا يوجب العلم أن داود عليه السلام كان له بنون غير سليمان عليه السلام، فصح أنه ورث النبوة.

وبرهان ذلك: أنهم كلهم مجمعون على أنه عليه السلام ولي مكان أبيه عليهما السلام، وليس له إلا اثنتي عشرة سنة، ولداود أربعة وعشرون ابنا كبارا وصغارا، وهكذا القول في ميراث يحيى بن زكريا عليهما السلام.

وبرهان ذلك: من نص الآية نفسها، قوله عليه السلام: (يرثني ويرث من آل يعقوب) وهم مئوا ألوف، يرث عنه النبوة فقط.

وأيضا فمن المحال أن يرغب زكريا عليه السلام في ولد يحجب عصبته عن ميراث، فإنما يرغب في هذه الخطة ذو الحرص على الدنيا وحطامها، وقد نزه الله عز وجل مريم عليها السلام التي كانت في كفالته من المعجزات، قال تعالى: (كلما دخل عليه زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم أنى لك هذا، قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) إلى قوله: (إنك سميع الدعاء)، وعلى هذا المعنى دعا فقال: (هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا).

وأما من اغتر بقوله تعالى حاكيا عنه عليه السلام أنه قال: (وإني خفت الموالي من ورائي) قيل له: بطلان هذا الظن أن الله تعالى لم يعطه ولدا يكون له عقب، فيتصل الميراث لهم، بل أعطاه ولدا حصورا لا يقرب النساء، قال تعالى: (وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين)، فصح ضرورة أنه عليه السلام إنما طلب ولدا نبيا، لا ولدا يرث المال.

وأيضا فلم يكن العباس محيطا بميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يكون له ثلاثة أثمانه فقط.

وأما ميراث المكانة فقد كان العباس رضي الله عنه حيا قائما إذ مات النبي صلى الله عليه وسلم، فما ادعى العباس لنفسه فقط في ذلك حقا، لا حينئذ ولا بعد ذلك، وجاءت الشورى فما ذكر فيها، ولا أنكر هو ولا غيره ترك ذكره فيها، فصح أنه رأي محدث فاسد لا وجه له للاشتغال به، والخلفاء من ولده، والأفاضل منهم من غير الخلفاء لا يرون لأنفسهم بهذه الدعوة ترفعا عن سقوطها ووهيها، وبالله تعالى التوفيق.