الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزمالجزء الخامس › الكلام في المداخلة والمجاورة والكمون: › الكلام في المداخلة والمجاورة:

ابحث في الصفحة

قال أبو محمد: ذهب القائلون بأن الألوان أجسام إلى المداخلة، ومعنى هذه اللفظة أن الجسمين يتداخلان؛ فيكونان جميعا في مكان واحد.

قال أبو محمد: وهذا كلام فاسد، لما سنبينه إن شاء الله تعالى في باب الكلام في الأجسام والأعراض من ديواننا هذا، وبالله تعالى التوفيق.

من ذلك أن كل جسم فله مساحة، وإذا كان كذلك فله مكان زائد، وإذ له مكان بقدر مساحته ولا بد، فإن كل جسم زيد عليه جسم آخر فإن ذلك الجسم الزائد يحتاج إلى مكان زائد من أجل مساحته الزائدة، هذا أمر يعلم بالمشاهدة، فإن اختلط الأمر على من لم يتمرن في معرفة حدود الكلام من أجل ما يرى في الأجسام المتخلخلة من تخلل الأجسام المايعة لها، فإنما هذا الآن في خلال أجزاء تلك الأجسام المتخلخلة خروقا صغارا مملوءة هواء، فإذا صب عليها الماء أو مائع ما ملأ تلك الخروق، وخرج عنها الهواء الذي كان فيه، وهذا ظاهر للعين محسوس خروج الهواء عنها بنفاخات وصوت من كل ما يخرج عنه الهواء مسرعا، والذي ذكرنا فإنه إذا تم خروج الهواء عنه، وزيد في عدد المائع ربا، واحتاج إلى مكان زائد.

وأما الذي ذكرنا قبل؛ فإنه في الأجسام المكتنزة، كماء صب على ماء، أو دهن على دهن، أو دهن على ماء، وهكذا في كل شيء من هذه الأنواع وغيرها. (الجزء/الصفحة:5/39)

فصح يقينا أن الجسم إنما يكون في الجسم على سبيل المجاورة، كل واحد في حيز غير حيز الآخر، وإنما تكون المداخلة بين الأعراض والأجسام، وبين الأعراض والأعراض؛ لأن العرض لا يشغل مكانا، فيجد اللون، والطعم، والمجسة، والرائحة، والحر، والبرد، والسكون، كل ذلك مداخل للجسم، ومداخل بعضه بعضا، ولا يمكن أن يكون جسم واحد في مكانين، ولا جسمان في مكان واحد.