هي بفتح الواو وكسرها: اسم للتوكيل والكلام فيها في مواضع.
الأول: في معناها لغةً. قال في «المصباح» : وكلت الأمر إليه وكلاً من باب وعد ووكولاً: فوّضته إليه، واكتفيت به، والوكيل فعيل بمعنى مفعول لأنه موكول إليه، ويكون بمعنى فاعل إذا كان بمعنى الحافظ، ومنه. حسبنا الله ونعم الوكيل. والجمع وكلاء، ووكلته توكيلاً فتوكل: قبل الوكالة، وتوكل على الله: اعتمد عليه.
والحاصل أنها في اللغة بمعنى التوكيل، وهو تفويض الأمر إلى الغير.
الثاني: في معناها اصطلاحاً: فهي إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف معلوم، كذا في «العناية» . حتى أن التصرف إن لم يكن معلوماً يثبت به أدنى تصرفات الوكيل وهو الحفظ، وذكر في «المبسوط» وقد قال علماؤنا فيمن قال لآخر وكلتك بمالي أنه يملك بهذا اللفظ الحفظ فقط. كذا في «النهاية» .
الثالث: في ركنها، وهو ما دل عليه من الإيجاب والقبول، ولو حكماً كالسكوت كم سنبينه قبيل الرابع. وستأتي التفرقة في الحكم بين القبول الصريح وبين السكوت، فلو قال وكلتك في هذا كان وكيلاً بحفظه لأنه الأدنى فيحمل عليه، وقيدوا بقوله في هذا لأنه لو قال وكلتك فقال قبلت الوكالة فقال الوكيل طلقت امرأتك ثلاثاً أو أعتقت عبدك فلاناً أو زوجت بنتك فلانة من فلان أو تصدقت من مالك بكذا على الفقراء فقال الرجل لا أرضى بذلك، فهذا الكلام متوجه إلى الذي تحاورا فيه، وقليلاً ما يكون هذا الكلام والتفويض الأبناء على سابقة تجري بينهما، فإن كان كذلك فالأمر على ما تعارفوه بما جرت المخاطبة فيه، فإنَّ فعل شيئاً خارجاً من ذلك النوع لم ينفذ على الموكل دون إنفاذه. كذا في «خزانة المفتين» . ولو قال أنت وكيلي في كل شيء كان تفويضاً للحفظ، والقياس أن لا يكون وكيلاً به للجهالة، والاستِحسان انصرافها إلى الحفظ، ولو قال أجزت لك بيع عبدي هذا يكون توكيلاً بالبيع، ولو زاد على قوله أنت وكيلي في كل شيء جائز أمرك ملك الحفظ والبيع والشراء ويملك الهبة والصدقة، حتى إذا أنفق على نفسه من ذلك المال جاز حتى يعلم خلافه من قصد الموكل، وعن الإمام تخصيصه بالمعاوضات، ولا يلي العتق والتبرع، وعليه الفتوى. وكذا إذا قال طلقت امرأتك ووقفت أرضك في الأصح لا يجوز. وفي «الروضة» فوّضت أمري إليك، قيل هذا باطل، وقيل هذا والأول سواء في أنه تفويض الحفظ. ولو قال مالك المستغلات فوّضت إليك أمر مستغلاتي وكان أجرها من إنسان ملك تقاضى الأُجْرة وقبضها، وكذا لو قال إليك أمر ديوني ملك التقاضي، ولو قال فوّضت إليك أمر دوابي وأمر مماليكي ملك الحفظ والرعي والتعليف والنفقة عليهم، ولو قال فوّضت إليك أمر امرأتي ملك طلاقها واقتصر على المجْلس، بخلاف قوله ملكتك حيث لا يقتصر على المجلس. كذا في «البزَّازية» . وفي «كافي الحاكم» : لو وكله بالقيام على داره وإجارتها وقبض غلتها، والبيع لم
[ص297]
يكن له أن يبني ولا أَن يرم منها شيئاً وليس وكيلاً في خصومتها، ولو هدم رجل منها شيئاً كان وكيلاً في الخصومة لأنَّه استهلك شيئاً في يديه، وكذا لو أجرها من رجل فجحد ذلك الرجل الإجارة كان خصماً فيها حتى يثبتها وكذا إذا سكنها وجحد الأجر. اهـ.
وقال في باب الوكالة في الدين: لو وكله بتقاضي كل دين ثم حدث له دين بعد ذلك فهو وكيل في قبضه، ولو وكله بقبض غلة أرضه وثمرتها كان له أن يقبض ذلك كل سنة اهـ.
وقال في باب قبض العارية والوديعة: ولو وكله بقبض عبد عند رجل فقتل العبد خطأ كان للمودع أن يأخذ القيمة من عاقلة القاتل، وليس للوكيل أن يقبض القيمة لأنها كالثمن، ولو كان الوكيل قبض العبد فقتل عنده كان له أن يأخذ القيمة، وهو الآن بمنزلة الأول، ولو جنى على العبد جناية قبل أَن يقبضهُ الوكيل فأخذ المستودع أرشها فللوكيل أن يقبض العبد دون الأرش، وكذا لو كان المستودع أجره بإذن مولاه لم يأخذ الوكيل أجره، وكذا مهر الأمة إذا وطئت بشبهة ولو وكله بقبض أمة أو شاة فولدت كان للوكيل أن يقبض الولد مع الأم، ولو كانت ولدت قبل أن يوكله بقبضها لم يكن له أن يقبض الولد، وكذلك ثمرة البستاني بمنزلة الولد اهـ.
قال في «البدائع» : وأما ركن التوكيل فهو الإيجاب والقبول، فالإيجاب من الموكل أن يقول وكلتك بكذا أو فعل كذا أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه. وزاد في «الهندية» : لو قال شئت بيع كذا فسكت وباع جاز، ولو قال لا أقبل بطل. كذا في «محيط السرخسي» اهـ. إِذا قال لغيره إن لم تبع عبدي هذا فامرأتي كذا يصير ذلك الغير وكيلاً بالبيع. كذا في «الذخيرة» .
رجل قال لغيره: سلطتك على كذا فهو بمنزلة قوله وكلتك.
في «المحيط البرهاني» : إذا قال الرجل لغيره أَحببت أن تبيع عبدي هذا أو قال هويت أو قال رضيت أو قال شئت أو قال أردت أو قال وافقني فهذا كله توكيل وأمر بالبيع اهـ. ولو قال لغيره أنت وكيل بقبض هذا الدين يصير وكيلاً، وكذا لو قال أنت جريي، وكذا لو قال أنت وصيي في حياتي، ولو قال أنت وصيي لا يكون وكيلاً.
والقبول من الوكيل أَن يقول قبلت وما يجري مجراه، فما لم يوجد لم يتم، ولهذا لو وكل إنساناً بقبض دينه فأبى أن يقبض ثم ذهب فقبض لم يبرأ الغريم لأنَّه ارتدّ بالرد. قال في «الهندية» : وقبول الوكيل ليس بشرط لصحة الوكالة استحساناً، ولكن إذا رد الوكيل الوكالة ترتد. هكذا ذكر محمد رحمه الله تعالى. كذا في «الذخيرة» .
ثم الركن: قد يكون مطلقاً وقد يكون معلقاً بشرط نحو: إن قدم زيد فأنت وكيلي في بيع هذا العبد، وقد يكون مضافاً إلى وقت بأن يوكله في بيع هذا العبد غداً، ويصير وكيلاً في الغد وما بعده لا قبله. اهـ.
فإن قلت: فما الفرق بين التوكيل والإرسال، فإن الإذن والأمر توكيل كما علمت؟
قلت: الرسول أن يقول له أرسلتك أو كن رسولاً عني في كذا، وقد جعل منها الزَّيلعي في باب خيار الرؤية أمرتك بقبضه، وصرح في «النهاية» فيه معزياً إلى الفوائد الظهيرية أنه من التوكيل، وهو الموافق
[ص298]
لما في «البدائع» ؛ إذ لا فرق بين افعل كذا وأمرتك بكذا. كذا في «البحر» . لكن قدم في باب خيار الرؤية نقلاً عن الفوائد جعل الأمر من ألفاظ الرسالة لا من ألفاظ التوكيل، وسيأتي في باب الوكالة بالخصومة أنه ليس بتوكيل، فتدبر.
وفيه أيضاً: واعلم أنه ليس كل أمر يفيد التوكيل فيما أمر به. ففي «الولوالجية» : دفع له ألفاً وقال اشتر لي بها أو بع أو قال اشتر بها أو بع ولم يقل لي كان توكيلاً، وكذا اشتر بهذا الألف جارية وأشار إلى مال نفسه، ولو قال اشتر جارية بألف درهم كانت مشورة، وما اشتراه المأمور فهو له دون الآمر، قال: وكذا لو قال اشتر هذه بألف إلا إذا زاد على أن أعطيك لأَجْل شرائك درهماً، لأن اشتراط الأجر له يدل على الإنابة اهـ.
أَقول: وحاصله أنه لا بد أن يكون في الأمر ما يدل على أن المأمور يفعل أمراً للآمر بطريق النيابة عنه. قال في «تهذيب القلانسي» : الوكيل من يباشر العقد، والرسول من يبلغ المباشرة، والسلعة أمانة في أيديهما. اهـ. قال في «المعراج» : قيل الفرق بين الرسول والوكيل أن الوكيل لا يضيف العقد إلى الموكل، والرسول لا يستغني عن إضافته إلى المرسل، وإليه الإشارة في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ } [المائدة: 67] . وقوله: { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } [الأنعام: 107] . نفى الوكالة وأثبت الرسالة اهـ.
قال في «الدرر» في أوائل البيع: الرسول معبر وسفير فكلامه كلام المرسل، فالفرق أن الوكيل لا يتوقف على إضافة العقد إلى الموكل بل يضيفه لنفسه، إِلاَّ في مواضع كالنكاح والخلع والهبة والرهن ونحوها، فإن الوكيل فيها كالرسول، حتى لو أضاف النكاح لنفسه كان له والرسول لا يستغني عن إضافته إلى المرسل، فإذا لم يضف الرسول العقد إلى المرسل لم يقع له، بل يقع للرسول. قال في «البَحر» : لو ادعى أنه رسول وقال البائع أنه وكيل وطالبه بالثمن فالقول للمشتري والبينة على البائع. وجه كون القول للمشتري أنه منكر إضافة العقد لنفسه والبائع يدعي عليه ذلك، والقول قول المنكر بيمينه، إليه الإشارة في «الخانية» في البيوع، وشرطه الإضافة إلى مرسله، أي: شرط كون القول للمشتري إضافة عقد الشراء إلى مرسله، فلو أضافه لنفسه لزمه الثمن.
الرابع: في شرائطها، وهي أنواع ما يرجع إلى الموكل وما يرجع إلى الوكيل وما يرجع إلى الموكل به فما يرجع إلى الموكل كونه ممن يملك فعل ما وكل به بنفسه، وسنتكلم عليه عند شرح الكتاب؛ وما يرجع إلى الوكيل فالعقل، فلا يصح توكيل مجنون وصبيّ لا يعقل لا البلوغ والحرية وعدم الردة فيصح توكيل المرتد، ولا يتوقف لأنَّ المتوقفَ ملكه وتوكيل الصَّبي الذي يعقل والعبد في النكاح والطَّلاق والخلع والصلح والاستعارة والهبة والبيع والشِّراء والإجارة وكل ما يعقده الموكل بنفسه.