ص 31
لا يثبت نسب ولد الأمة من مولاها إلا بدعواه، فإذا اعترف به صارت أم ولده، فإذا ولدت منه بعد ذلك ثبت بغير دعوة، وينتفي بمجرد نفيه بغير لعانٍ،
ص 32
ولا يجوز إخراجها من ملكه إلا بالعتق، وله وطؤها واستخدامها وإجارتها وكتابتها وتعتق بعد موته من جميع المال، ولا تسعى في ديونه وحكم ولدها من غيره بعد الاستيلاد حكمها؛ (551)
----------------
(551) باب الاستيلاد
وهو في اللغة: طلب الولد مطلقاً، فإن الاستفعال طلب الفعل.
وفي الشرع: طلب الولد من الأمة، وكل مملوكة ثبت نسب ولدها من مالك لها أو لبعضها فهي أم ولد له، لأن الاستيلاد فرع لثبوت الولد، فإذا ثبت الأصل ثبت فرعه.
قال (لا يثبت نسب ولد الأمة من مولاها إلا بدعواه) لأنه لا فراش لها، فإن غالب المقصود من وطء الأمة قضاء الشهوة دون الولد، فإن أشراف الناس يمتنعون من وطء الإماء تحرزاً عن الولد لئلا يعير ولده بكونه ولد أمة، فيشترط لثبوته دعواه لهذا المعنى، ولهذا جاز له العزل في الأمة دون الزوجة، لأن المراد من وطء الزوجة طلب الولد غالباً، قال عليه الصلاة والسلام "تناكحوا تكثروا" إشارة إلى أن المراد من شرعية النكاح التوالد والتناسل، ثم إن كان يطؤها ولا يعزل عنها لا يحل له نفيه فيما بينه وبين الله تعالى، ويلزمه أن يعترف به لأن الظاهر أنه منه، وإن كان يعزل عنها ولم يحصنها جاز له النفي لتعارض الظاهرين وقال أبو يوسف: إن كان يطؤها ولم يحصنها أحب إلي أن يدعيه. قال محمد: أحب إلي أن يعتق ولدها ويستمتع بها فإذا مات أعتقها. لأبي يوسف أنه يجوز أن يكون منه فلا ينفيه بالشك. ولمحمد أنه يجوز أن يكون منه ويجوز أن لا يكون منه فلا يجوز التزامه بالشك. أما العتق فيحتمل أن يكون عبداً ويحتمل أن يكون حراً فلا يسترقه بالشك، ويستمتع بالأم لأنه مباح له وإن ثبت نسبه، فإذا مات أعتقها حتى لا تسترق بالشك (فإذا اعترف به صارت أم ولده، فإذا ولدت منه بعد ذلك ثبت بغير دعوة) لأنه لما ادعى الأول وثبت نسبه تبين أنه قصد الولد فصارت فراشاً فيثبت بغير دعوة كالمنكوحة.
(وينتفي بمجرد نفيه بغير لعان) لأن فراشها ضعيف حتى يقدر على إبطاله بالتزويج وبالعتق فينفرد بنفيه، بخلاف النكاح فإن فراشه قوي لا يملك إبطاله فلا ينتفي ولده إلا باللعان؛ ولو أقر أن أمته حبلى منه ثم جاءت بولد لستة أشهر ثبت نسبه منه وصارت أم ولد له، ولأكثر من ستة اشهر لا، وسواء كان الولد حياً أو ميتاً أو سقطا قد استبان خلقه أو بعض خلقه إذا أقر به وهو بمنزلة الكل لأن السقط تتعلق به أحكام الولادة على ما مر، وإن لم يستبن شيء من خلقه وألقته مضغة أو علقة فادعاه لم تصر أم ولد له، رواه الحسن عن أبي حنيفة لأنه يحتمل أن يكون دماً أو لحماً فلا يثبت الاستيلاد بالشك، ولو حرم وطؤها عليه بعد ذلك بوطء أبيه أو ابنه، أو بوطئه أمها أو بنتها لم يثبت نسب ما تلده بعد ذلك إلا بالدعوة لأن فراشها انقطع؛ وإذا ولدت الأمة من رجل ولداً لم يثبت نسبه منه بأن زنى بها ثم ملكها وولدها عتق الولد وجاز له بيع الأم. وقال زفر: لا يجوز لأن الحرية تثبت للولد بالولادة فيثبت لأمه الاستيلاد كالثابت النسب: ولنا أن الاستيلاد يتبع النسب ولهذا يضاف إليه، فيقال أم ولده، وهو الذي يثبت لها الحرية، قال عليه الصلاة والسلام "أعتقها ولدها" ولم يثبت النسب فلا يثبت التبع. وأما حرية الولد فلأنها تثبت بحكم الجزئية، وصار كما لو أعتقه بالعتق. قال (ولا يجوز إخراجها من ملكه إلا بالعتق) فلا يجوز بيعها ولا هبتها ولا تمليكها بوجه ما. والأصل في ذلك ما روى محمد بن الحسن بإسناده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق أمهات الأولاد من جميع المال، وقال: لا يعرن ولا يبعن" وعن عمر رضي الله عنه أنه كان ينادي على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن بيع أمهات الأولاد حرام ولا رق عليها بعد موت مولاها، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فحل محل الإجماع. وعن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال حين ولدت أم إبراهيم "أعتقها ولدها". عن سعيد بن المسيب "أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بعتق أمهات الأولاد، ولا يسعين في الدين، ولا يجعلن من الثلث". وروى عبيدة السلماني قال: قال علي بن أبي طالب: اجتمع رأيي ورأي عمر في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عتق أمهات الأولاد، ثم رأيت بعد أن يبعن في الدين، فقال عبيدة السلماني: رأيك ورأي عمر في جماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة، قال علي رضي الله عنه: إن السلماني لفقيه، ورجع عن ذلك.
قال (وله وطؤها واستخدامها وإجارتها وكتابتها) لأن الملك قائم فيها كالمدبرة، فإن كل واحد منهما عتق معلق بالموت، والكتابة تعجيل العتق على ما بيناه في المدبر، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفارق مارية بعد ما ولدت.
قال (وتعتق بعد موته من جميع المال، ولا تسعى في ديونه) لما تقدم من الأحاديث (وحكم ولدها من غيره بعد الاستيلاد حكمها) لما تقدم أن الحكم المستقر في الأم يسري إلى الولد.