ص 102
وهي أخذ العاقل البالغ نصاباً محرزاً، أو قيمته نصاباً ملكاً للغير لا شبهة له فيه على وجه الخفية. (606)
---------
(606) كتاب السرقة
(وهي) في اللغة: أخذ الشيء على سبيل الخفية والاستسرار بغير إذن المالك، سواء كان المأخوذ مالاً أو غير مال، ومنه استراق السمع، قال الله تعالى - إلا من استرق السمع فأتبعه - وسرقة الشاعر المعنى وسرقة الصنعة ونحوه. وفي الشرع (أخذ العاقل البالغ نصاباً محرزاً، أو قيمته نصاباً ملكاً للغير لا شبهة له فيه على وجه الخفية) والمعنى اللغوي مراعى فيه ابتداء وانتهاء، أو ابتداء في بعض الصور كما إذا نقب البيت خفية وأخذ المال مكابرة وذلك يكون ليلاً، لأنه ربما أحسوا به فكابر وأخذ و غوث بالليل فيقطع؛ أما النهار لو فعل ذلك لا يقطع لأنه يلحقهم الغوث فلا يمكنه ذلك، فيشترط الخفية ليلاً ونهاراً فهي مسارقة عين المالك أو من يقوم مقامه؛ وفي قطع الطريق وهي السرقة الكبرى مسارقة عين الإمام وأعوانه لأنه المتصدي لحفظ الطريق بأعوانه، لأن الأموال إنما تصير مصونة محرزة بحفظ الإمام وحمايته. والأصل في وجوب القطع قوله تعالى - والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما -. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: فاقطعوا أيمانهما، وقوله تعالى - إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً - الآية، وقال صلى الله عليه وسلم "من سرق قطعناه" ورفع إليه صلى الله عليه وسلم سارق فقطعه. وإجماع الأمة على وجوب القطع وإن اختلفوا في مقدار النصاب، ولأن المال محبوب إلى النفوس تميل إليه الطباع البشرية خصوصاً عند الحاجة والضرورة، ومن الناس من لا يردعه عقل، ولا يمنعه نقل، ولا تزجرهم الديانة، ولا تردهم المروءة الأمانة، فلولا الزواجر الشرعية من القطع والصلب ونحوهما لبادروا إلى أخذ الأموال مكابرة على وجه المجاهرة، أو خفية على وجه الاستسرار، وفيه من الفساد مالا يخفى، فناسب شروع هذه الزواجر في حق المستسر والمكابر في سرقتي الصغرى والكبرى حسماً لباب الفساد وإصلاحاً لأحوال العباد، والعبد والحر في القطع سواء لإطلاق النصوص، ولأن القطع لا يتنصف فيكمل في العبد صيانة لأموال الناس؛ ولا بد من العقل والبلوغ لأن القطع شرع زاجراً عن الجناية، ولا جناية من الصبي والمجنون. وأما اشتراط النصاب فلما روى أن اليد كانت لا تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن المجن. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كانت اليد لا تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه، ولأنه لا بد من اعتبار مال له خطر لتتحقق الرغبة فيه فيجب الزجر عنه؛ أما الحقير لا تتحقق الرغبة فيه فلا حاجة إلى الزجر عنه، ولا بد أن يكن محرزاً لأنه عليه الصلاة والسلام لم يوجب القطع في حريسة الجبل: أي ما يحرس بالجبل لعدم الحرز؛ ولا بد أن يكون غير مأذون له بالدخول فيها، لأن بالإذن يخرج من أن يكون حرزاً في حقه؛ ويشترط أن يكون ملكاً للغير لا شبهة له فيه، لأن الحدود تدرأ بالشبهات على ما مر، وتكون على سبيل الخفية لأن السرقة لا تكون على الجهر على ما مر.