ص 18
ولا يقع إلا من مالك قادر على التبرعات. وألفاظه: صريح، وكناية. فالصريح يقع بغير نية، وهو قوله: أنت حر، أو محرر، أو عتيق أو معتق، وأعتقتك، أو حررتك، وهذا مولاي، أو يا مولاي، أو هذه مولاتي، ويا حر، ويا عتيق، إلا أن يجعل ذلك اسماً له فلا يعتق؛ وكذلك إضافة الحرية إلى ما يعبر به عن البدن. (543)
---------
(543) كتاب العتق
وهو في اللغة: القوة، يقال: عتق الطائر إذا قوي على الطيران، وعتاق الطير: كواسبها لقوتها على الكسب، وعتقت الخمر: قويت واشتدت، ويستعمل للجمال، يقال: فرس عتيق: أي رائع جميل، وسمي الصديق عتيقاً لجماله، ويستعمل للكرم، ومنه البيت العتيق: أي الكريم ويستعمل للسعة والجودة، ومنه رزق عاتق: أي جيد واسع. وفي الشرع: زوال الرق عن المملوك وفيه هذه المعاني اللغوية فإنه بالعتق يقوي على ما لم يكن قادراً عليه قبله من الأقوال والأفعال، ويورثه جمالاً وكرامة بين الناس ويزول عنه ما كان فيه من ضيق الحجر والعبودية فيتسع رزقه بسبب القدرة على الكسب. والحرية: الخلاص، والحر: الخالص، ومنه طين حر: خالص لا رمل فيه، وأرض حرة: خالصة من الخراج والنوائب. والتحرير: إثبات الحرية وهو الخلوص في الذات عن شائبة الرق. والرق في اللغة: الضعف، ومه ثوب رقيق، وصوت رقيق: أي ضعيف. وفي الشرع: ضعف معنوي، وهو العجز عما يقدر عليه الحر من الولايات والشهادات والخروج إلى الحج والجهاد وصلاة الجمعة والجنائز وغيرها من العبادات، وبالإعتاق والتحرير تثبت له القوة على هذه الأفعال وتخلصه عن شوائب الرق والإذلال. وقال القدوري رحمه الله: العتق إسقاط الحق عن الرق، والحقوق تسقط بالإسقاط، فإسقاط الحق عن الرق عتق، وعن استباحة البضع طلاق، وعن الديون براءة، فإنه إذا أسقط حقه عن هذه الأشياء لم يبق شيء يحتاج إلى النقل فيسقط، ولا كذلك الأعيان فإنه لا يصح إسقاط الحق عنها، لأن العين بعد الإسقاط تبقى غير منتقلة فلا يسقط حقه وهو قضية مشروعة وقربة مندوبة. أما شرعيتها فلقوله تعالى - فتحرير رقبة - وقال - فتحرير رقبة مؤمنة - كلفنا بتحرير الرقبة؛ ولولا شرعيته لما كلفناه، إذ تكليف ما ليس بمشروع قبيح. والنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أعتقوا، والإجماع على شرعيته، وأما الندبية فلقوله تعالى - فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة - والندبية تدل على المشروعية أيضاً. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أيما مؤمن أعتق مؤمنا في الدنيا أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار" وسأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "علمني عملاً يدخلني الجنة، فقال: لئن أقصرت الخطبة لقد عرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة، قال: أليسا واحداً؟ قال لا، عتق الرقبة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها" ثم العتق قد يقع قربة ومباحاً ومعصية، فإن أعتقه لوجه الله تعالى أو عن كفارة فهو قربة، وإن أعتقه من غير نية أو أعتقه لفلان فهو مباح وليس بقربة، وإن أعتقه للصنم أو للشيطان فهو معصية. ويستحب أن يكتب له كتاباً بالعتق ويشهد عليه به توثقاً وخوفاً من التجاحد.
(ولا يقع إلا من مالك قادر على التبرعات) أما الملك فلقوله عليه الصلاة والسلام "لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم"، وكذلك إذا أضافه إلى ملكه كما مر في الطلاق، وأما كونه قادراً على التبرعات فلأنه تبرع.
قال (وألفاظه صريح وكناية، فالصريح يقع بغير نية) كما قلنا في الطلاق (وهو قوله: أنت حر، أو محرر، أو عتيق، أو معتق) وإن نوى به الخلوص والقدم صدق ديانة لا قضاء، لأنه خلاف الظاهر وهو يحتمله (و) قوله (أعتقتك، أو حررتك) صريح أيضاً (و) كذلك (هذا مولاي، أو يا مولاي، أو هذه مولاتي) لأنه يستعمل في المعتق والمعتق فإذا انتفى أحدهما ثبت الآخر ضرورة، ولو نوى النصرة والمحبة صدق ديانة لا قضاء لما بينا، ولو قال: أنت حر من هذا العمل، أو أنت حر اليوم من هذا العمل عتق قضاء لأنه متى صار حراً في شيء صار حراً في كل الأشياء، لأن الحرية لا تتجزى (ويا حر، ويا عتيق) صريح أيضاً (إلا أن يجعل ذلك اسماً له فلا يعتق) إلا أن يريد به الإنشاء.
قال (وكذلك إضافة الحرية إلا ما يعبر به عن البدن) وهو كالطلاق في التفصيل والحكم والخلاف والعلة، ولو أعتق جزءاً شائعاً كالثلث والربع عتق ذلك الجزء عند أبي حنيفة ويسعى العبد في الباقي، وعندهما يعتق كله على ما نبيّنه؛ ولو قال: بعضك حر أو جزؤك عتق كله عندهما. وعند أبي حنيفة يؤمر بالبيان. ولو قال: دمك حر فيه روايتان. وعن أبي يوسف لو قال لأمته: فرجك حر من والجماع عتقت، ولو قال لعبده: فرجك حر يعتق؛ وقيل لا يعتق لأن فرج المرأة يعبر به عن جميع البدن لا فرج الرجل، قال عليه الصلاة والسلام "لعن الله الفروج على السروج" والمراد النساء، وفي الاست والدبر الأصح أنه لا يعتق لأنه لا يعبر به عن البدن؛ وفي العتق روايتان. ومما يلحق بالصريح قوله لعبده: وهبت لك نفسك، أو بعتك نفسك فإنه يعتق بغير نية قبل العبد أو لم يقبل. لأن ذلك يقتضي زوال الملك إلى العبد فيزول ملكه بإزالته صريحاً، فلم يكن صريحاً في العتق لأنه ليس بموضوع لغة، لكنه ملحق بالصريح من حيث إنه يقع بغير نية، وإنما يملك العبد النفسية دون المالية لأنه بغير عوض فيكون إعتاقاً فلا يحتاج إلى القبول، حتى لو قال له: بعت منك نفسك بكذا افتقر إلى القبول لمكان العوض.