ابحث في الصفحة

نزلت بمكة.

وفيها من المنسوخ آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: (قُل ما كُنتُ بِدعاً مِنَ الرُسُلِ) أي أول الأنبياء بعثا. هذا محكم.

والمنسوخ: (وَما أَدري ما يُفعَلُ بي وَلا بِكُم).

قال الشيخ: وليس في القرآن منسوخ طال حكمه كهذه الآية، لأنه عمل بها بمكة عشر سنين، وعيره المشركون، فهاجر إلى المدينة، فبقي ست سنين يعيرونه، وكان المشركون يقولون: كيف يجوز لنا اتباع رجل لا يدري ما يفعل به ولا بأصحابه.

وقال المنافقون من أهل المدينة مثل ذلك، فلما كان عام الحديبية خرج على أصحابه ووجهه يتهلل فرحا، فقال: (لقد نزلت علي اليوم آية - أو قال: آيات - هي أحب إلي من حمر النعم. أو قال: مما طلعت عليه الشمس). فقال أصحابه: وما ذلك يا رسول الله؟ فقرأ عليهم: (إِنّا فَتَحنا لَكَ فَتحاً مُبيناً) إلى قوله: (وَكانَ اللَهُ عَليماً حَكيماً) . فقال أصحابه: ليهنك ما نزل فيك، أعلمك الله ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: (وَبَشِّر المُؤمِنينَ بِأَنَّ لَهُم مِنَ اللهِ فَضلاً كَبيراً) . وأنزل الله تعالى: (لِيُدخِلَ المُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ جَنّاتٍ) إلى قوله: (فَوزاً عَظيماً).

فقالت المنافقون من أهل المدينة، والمشركون من أهل مكة: قد أعلمه ما يفعل به وما يفعل بأصحابه، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: (وَيُعَذِّبَ المُنافِقينَ وَالمُنافِقاتِ وَالمُشرِكينَ وَالمُشرِكات) أي من أهل مكة والمدينة فغيرهم ( الظانّينَ بِاللَهِ ظَنَّ السَوء).

فقال عبد الله بن أبي: هبة غلب اليهود، فكيف له قدرة على فارس والروم؟ فنزلت: (وَلِلّهِ جُنودُ السَمَواتِ وَالأَرض). هم أكثر من فارس والروم.

وليس في كتاب الله تعالى كلمات منسوخة نسختها سبع آيات إلا هذه الآية.

وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: (لِيَغفِرَ لَكَ اللَهَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَما تَأَخَّر): قال جماعة: ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة، وما تأخر بعدها.

وقال الآخرون: ما تقدم من ذنبك وما تأخر من ذنوب أمتك، لأنه تيب به على آدم، وهو الشافع لأمته، فيمتن بذلك عليه.

وقال آخرون: ما تقدم من ذنب أبيك إبراهيم، وما تأخر من ذنوب النبيين، فبه تيب أيضاً عليهم.

وقال آخرون: ما تقدم من ذنبك يوم بدر، وما تأخر يوم هوازن.

وذلك: أنه قال يوم بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبداْ. فأوحى الله تعالى إليه: من أين لك أني لا أعبد في الأرض؟ وكان هذا الذنب المتقدم.

وأما المتأخر: فقال يوم هوازن - وقد انهزم أصحابه - فعمه العباس وابن عمه أبي سفيان بن الحارث: (ناولاني كفاً من حصى الوادي). فناولاه، فاستقبل به وجوه المشركين وقال: (شاهت الوجوه، حم لا يبصرون) وكانوا أربعين ألفاً، فما بقي منهم رجل إلا امتلأت عيناه من الرمل والحصى، وانهزم القوم عن آخرهم، فلما رجع أصحابه إليه قال لهم: (لو لم أرمهم لم ينهزموا) فنزلت: (وضما رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَهَ رَمى).

وعلى هذا معارضة: لقائل أن يقول: أثبت الله لرمي ثم نفاه.

فالجواب عن ذلك أن الرمي يحتوي على أربعة أشياء: القبض، والإرسال، والتبليغ، والإصابة. فالقبض والإرسال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتبليغ والإصابة من الله عز وجل.

الآية الثانية: قوله تعالى: (فَاِصبِر كَما صَبَرَ أولوا العَزمِ مِنَ الرُسُل).

نسخ الأمر من الصبر بآية السيف.