نيل الأوطارالجزء السابع. › كتاب الدماء. › باب إيجاب القصاص بالقتل العمد وأن مستحقه بالخيار بينه وبين الدية.

ابحث في الصفحة

حديث أبو شريح الخزاعي في إسناده محمد بن إسحاق وقد أورده معنعناً وهو معروف بالتدليس فإذا عنعن ضعف حديثه كما تقدم تحقيقه غير مرة وفي إسناده أيضاً سفيان بن أبي العرجاء السلمي قال أبو حاتم الرازي: ليس بالمشهور وقد أخرج الحديث المذكور النسائي وأصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة بمعناه كما في حديثه المذكور وأبو شريح بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية وبعدها حاء مهملة اسمه خويلد بن عمرو ويقال كعب بن عمرو ويقال هانئ ويقال عبد الرحمن بن عمرو وقيل غير ذلك [ص 149] والأول هو المشهور.

قوله: (بخير النظرين إما أن يفتدي وإما أن يقتل) ظاهره أن الخيار إلى الأهل الذين هم الوارثون للقتيل سواء كانوا يرثونه بسبب أو نسب وهذا مذهب العترة والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه.

وقال الزهري ومالك: يختص بالعصبة إذ شرع لنفي العار كولاية النكاح فإن عفوا فالدية كالتركة.

وقال ابن سيرين: يختص بالورثة من النسب إذ شرع للتشفي والزوجية ترتفع بالموت فلا تشفي وأجيب بأنه شرع لحفظ الدماء لقوله تعالى {ولكم في القصاص حياة} وظاهر الحديث أن القصاص والدية واجبان على التخيير وإليه ذهبت الهادوية والناصر وأبو حامد والشافعي في قول له وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه والناصر والداعي والطبري إن الواجب بالقتل هو القصاص لا الدية فليس للولي اختيارها لقوله تعالى {كتب عليكم القصاص في القتلى} ولم يذكر الدية ويجاب بأن عدم الذكر في الآية لا يستلزم عدم الذكر مطلقاً فإن الدية قد ذكرت في حديثي الباب وأيضاً تقدير الآية فمن اقتص فالحر بالحر ومن عفي له من أخيه شيء فالدية ويدل على ذلك تفسير ابن عباس المذكور.

وظاهر الحديث أيضاً أن الولي إذا عفا عن القصاص لم تسقط الدية بل يجب على القاتل تسليمها وروي عن مالك وأبي حنيفة والشافعي في قول له والمؤيد باللّه في قول له أيضاً أنها تتبع القصاص في السقوط ويؤيد عدم السقوط قوله تعالى {فمن عفي له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} وأجاب القائلون بالسقوط بأن المعروف والإحسان التفضل لا الوجوب كما تقتضيه العبارة لأن الوجوب يقتضي العقاب على الترك والمعروف والإحسان لا يقتضيان ذلك بدليل قوله تعالى {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} ورد بأن التخفيف المذكور هو بالتخيير بين القصاص والدية لهذه الأمة بعد أن كان الواجب على بني إسرائيل هو القصاص فقط ولم يكن فيهم الدية ولا شك أن التخيير بين أمرين أوسع وأخف من تعيين واحد كما في كلام ابن عباس المذكور في الباب ويدل على عدم سقوط الدية بسقوط القصاص حديث أبي هريرة وأبي شريح المذكوران وقد أخرج الترمذي وابن ماجه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: (من قتل متعمداً أسلم إلى أولياء المقتول فإن احبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة في بطونها أولادها) وفي الكشاف في تفسير [ص 150] الآية المذكورة ما لفظه فإتباع بالمعروف فليكن إتباع أو فالأمر إتباع وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعاً فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف عليه وأن لا يطالبه إلا مطالبة جميلة وليؤد إليه القاتل بدل دم المقتول أداء بإحسان بأن لا يمطله ولا يبخسه ذلك الحكم المذكور من العفو والدية تخفيف من ربكم ورحمة لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرم العفو وأخذ الدية وعلى أهل الإنجيل العفو وحرم القصاص والدية وخيرت هذه الأمة بين الثلاث القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيراً انتهى. والمراد بقوله في حديث أبي شريح فإن أراد رابعة فخذوا على يديه أي إذا أراد زيادة على القصاص أو الدية أو العفو ومن ذلك قوله تعالى {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}.