تفسير الطبريكلمة الناشر

ابحث في الصفحة

الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (نسبة إلى طَبَرِسْتان من بلاد العَجم) أحد أفرد العلماء في الإسلام، وصاحب التأليفين المشهورين في التاريخ والتفسير، وغيرهما من الأسفار النفسية.

عاش ابن جرير فيما بين سنتي (225و310هـ)، وجمع ثقافة عصره من إسلامية وعربية، إلى ما نقله النّقَلَةُ من ثقافة الأمم القديمة، كاليونانيين والهنود وغيرهم، مما ترجم في الدولة العباسيّة.

كان ابن جرير حافظا للقرآن، وكانت له قراءة مدوّنة، اختارها لنفسه، وأقرأ بها بعض تلاميذه.

وكان فقيها بلغ مرتبة الاجتهاد، عالما بالخلاف بين المذاهب، وكان له مذهب خاص وأتباع.

وكان من أئمة الحديث وحُفّاظه، واسع المعرفة بمتونه وأسانيده وأحوال رجاله.

وكان عالما باللغة والنحو، وخاصةً مذهب الكوفيين، لقي إمامهم ثعلبا، وأخذ عنه النحو، وقرأ عليه دواوين الشعراء، واستخرج منها كثيرا من الشواهد التي عَوّل عليها في التفسير والتاريخ وغيرهما.

وكان عالما بأقوال الصحابة والتابعين في تفسير القرآن، وتاريخ رُواته وطرقهم إلى الصحابة.

ثم كان فوق ذلك مؤرّخ الإسلام الثقة الأمين فيما ينقل، العالم بالكلام والجدل ومقالات الإسلاميين وغيرهم من أهل النّحل والأهواء، وبالمنطق والحساب والجبر والمقابلة والطب، وسائر فروع الفلسفة القديمة.

ويُعدّ ابن جرير من أحسن الأمثلة لذوى الشخصيات الكبيرة من العلماء الذين تخرجوا بثقافة القرن الثالث، وكان من أخصب عصور العلم والمعرفة عند المسلمين، التقت فيه تيارات الفكر الإسلامي بتيارات الفكر الأجنبي، فظهرت فيه عقليات جديدة، امتازت بالنضج والدقة والعمق، وصفاء التفكير، وسيطرة المنطق على آثار العقول، والميل إلى الاستقصاء في البحث، واستقلال الرأي.

وقد ظهرت هذه السّمات الثقافية للقرن الثالث في عقل ابن جرير ومنهجه في التأليف، فأخرجت منه عالما مستقلّ الرأى، وبحرا زخّارا منقطع النظير، وظهرت آثار ثقافته الواسعة فيما ألّف من تواليف أثنى عليها العلماء، وتلقتها الأمة بالقَبول، ولاسيما كتابُه في التاريخ، ثم كتابُه في التفسير، وهو الذي نقدّمه بهذه الكلمة الموجزة(1).

عُرف تفسير ابن جرير فيما نقله ياقوت في ترجمته باسم (جامع البيان، عن تأويل آي القرآن)(2).

وهو تفسير ذو منهج خاص: يذكر الآية أو الآيات من القرآن، ثم يُعْقِبها بذكر أشهر الأقوال التي أُثرت عن الصحابة والتابعين من سلف الأمة في تفسيرها. ثم يورد بعد ذلك روايات أخرى متفاوتة الدرجة في الثقة والقوّة، في الآية كلها، أو بعض أجزائها، بناء على خلاف في القراءة أو اختلاف في التأويل. ثم يعقّب على كل ذلك بالترجيح بين الروايات، واختيار أَولاها بالتقدمة، وأحقها بالإيثار. ثم ينتقل إلى آية أخرى، فينهج نفس النّهْج: عارضاً، ثم ناقداً، ثم مرجّحاً

وهو إذ ينقد أو يرجّح، يردّ النقد أو الترجيح الى مقاييس تاريخه، من حال رجال السنّد في القوة والضعف، أو إلى مقاييس علمية وفنية: من الاحتكام إلى اللغة التي نزل بها الكتاب، نصوصها وأقول شعرائها، ومن نقد القراءة وتوثيقها أو تضعيفها، ومن رجوع إلى ما تقرّر بين العلماء من أصول العقائد أو أصول الأحكام، أو غيرهما من ضروب المعارف التي أحاط بها ابن جرير، وجمع مادة لم تجتمع لكثير غيره من كبار علماء عصره.

وقد سَبَق هذا النوع من التفسير بالمأثور غيره من أنواع التفسير عند المسلمين، وذلك أشبه بأن يكون طبيعيا، فالرسول الذي اختصه اللّه بالكتاب المُنَزّل، هو أعلم الناس بمبانيه ومعانيه، وظواهره وبواطنه، مافي ذلك ريب. ثم يليه في العلم بكل ذلك صحابته وتلاميذه وحَواريّوه، الذين لابسوه وخالطوه، وأخذوا القرآن عنه حين نزوله، وعرفوا مقاصده ومراميَه، وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، فهم أولى بأن تؤخذ عنهم قراءته، وتفسيره، وأحكامه جميعا.

وقد كان بعض الصحابة يرفع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وجها من القراءة أو التأويل لم يعرفه الآخر، وبعض هذه الأوجه لم يكن مما رفع إلى النبي، وانما هو من أقوال الصحابة ومراسيلهم، أو من أقوال التابعين، وبعضها كان خطأ ممن ليس من أهل الحفظ والتحمُّل، أو ليس من أهل الفقه في الدين، أو البصر باللغة. أو مما دسه بعض ذوى الأهواء والزيغ، وسوء الاعتقاد. ومن هنا مست الحاجة إلى دراسة الأخبار المروية كلها متنا ومستندا، من قراءات، وأوجه تأويل، وأحاديث، وأخبار وسِيَر، دراسة علمية نقدية، لنفي الضعيف منها وتمييز القوي، وكان القرن الثالث الذي عاش فيه ابن جرير هو القرن الذي ضبطت فيه علوم الرواية الخبرية متنا وسَنَدا، ووضعت مناهجها، وكشف عن أحوال رُواتها فيما صنعه يحيى بن مَعِين، وتلميذه محمد بن إسماعيل البُخاري، وتلميذه مسلم بن الحَجَّاج القشيري، ومن حذا حذوهم من أئمة الحديث ونَقَدة الرجال، وشارك ابن جرير بنصيب موفور من ذلك في نفد روايات التفسير والتاريخ، ونقد رجالهما، في كتابيه الكبيرين.

وقد نقل ابن جرير روايات عن أشهر مفسري الصحابة والتابعين، كابن عبَّاس من خمسة طرق، وعن سعيد بن جبير من طريقين، وعن مجاهد من ثلاثة طرق أو أكثر في بعض المواضع، وعن قتادة بن دعامة من ثلاثة طرق، وعن الحسن البصري من ثلاثة طرق، وعن عِكرمة من ثلاثة طرق، وعن الضحاك بن مزاحم من طريقين، وعن عبد اللّه بن مسعود من طريق واحد. وذكر من التفاسير تفسير عبد الرحمن بن زيد بن مسلم، وتفسير ابن جُريجج، وتفسير مقاتل بن حيان، ولم يتعرّض لتفسير غير موثوق به، فانه لم يدخل في كتابه شيئا من كتاب محمد بن السائب الكلبي، ولا مقاتل بن سليمان، ولا محمد بن عمر الواقدي، لأنهم عنده أظِنَّاء.(3)

وقد ذاعت شهرة تفسير ابن جرير في الآفاق الإسلامية، وأصبح مضرب المثل في غزارة المادة، واستقامة المنهج:

قال السيوطي في الإتقان بعد أن ساق أسماء جماعة من المفسرين بالمأثور قبل الطبري: (وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجلّ التفاسير وأعظمها)(4)... الخ.

ثم قال: فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يعول عليه ؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف مثله. قال النووي في تهذيبه: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله(4).

ثم اختلف بعد ذلك مناهج المفسرين، ولم يتقيدوا بالمنقول عن الصحابة والتابعين، وتميز كل تفسير منها بطابَع خاصّ غلب على صاحبه، فمنها ما عُنِىَ ببيان العقائد، ومنها ما اختصّ بالأحكام الفقهية، ومنها ما بالغ في شرح قصص القرآن، ومنها ما التزم بيان الخصائص الأسلوبية والبلاغية المرتبطة بالإعجاز، ومنها ما جمع أطرافا من كل ذلك، ومن اللغة والنحو والإعراب ...الخ.

ولا يزال الناس حتى يومنا هذا يرمون تفسير الكتاب العزيز، ولا يكاد يخلو تفسير مما ألف في النصف الأوّل من القرن العشرين من معنى جديد، أو مذهب مستطرف. ومن أعظم التفاسير التي ظهرت في مصر تفسير الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وفيه دعوة قوية إلى تجديد العقائد، ومحاربة الخرافات والجهل والبِدَع. ثم تفسير الجواهر للأستاذ الشيخ طنطاوي جوهري، وفيه دعوة إلى مناهضة الاستعمار، والأخذ بأسباب التمدين والحضارة والعلم، ليتمكن المسلمون من مقاومة أعدائهم بمثل أسلحتهم العلمية الحديثة. وهذه الاتجاهات الجديدة في التفسير تدلّ على أن كتاب اللّه كنز لا تفنى عجائبه، ولا تحصى ذخائره، وأن من أسراره ما لا يزال ينكشف على الزمن، ويبقى على وجه الدهر، وأنه رحمة اللّه على الأوّلين والآخرين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

وقد حَرَصت مصر منذ أكثر من نصف قرن على أن تكون السابقة إلى طبع تفسير الطبري، ونشره في العالم الحديث، وقد تمّ لها ما أرادت من ذلك، فقامت مطبعتنا (الميمنية) شركة (مصطفى البابى الحلبي وأخويه) سنة 1321 ه بطبعه لأوّل مرّة، وقد رمزنا لتلك الطبعة في هوامش هذه الطبعة بالحرف (م). ثم قامت مطبعة بولاق الأميرية في سنة 1323 بطبعه طبعة ثانية، وقد رمزنا لها في هوامشنا بالحرف (ب).

وقد ظهر في الطبعتين السابقتين كثير من الأخطاء، سببه أنه لم يكن في مصر عند طبعهما غير مخطوطتين اثنتين، هما المحفوظتان برقم 42 و43 م تفسير بدار الكتب المصرية، وفي هاتين النسختين كثير من الخطأ والتحريف والاضطراب، ومع ذلك استطاع المصححون تلافىَ كثير مما فيهما من الأخطاء، بالاستدراك عليهما حينا، وبالرجوع الى غيرهما من الكتب كالدرّ المنثور للسيوطي أحيانا أخرى.

ولما كان كثير من العلماء في العالم الإسلامي يرغبون في اقتناء تفسير ابن جرير الطبري الذي طبقت شهرته البلاد، وقد نفد جميع نسخ الطبعتين السابقتين من الأسواق، وكتب إلينا كثير من أصحاب المكتبات بالشرق من عملائنا، يُوَصُّوننا بطبعه طبعة جديدة مع العناية بتصحيحه، رأينا أن نلِّبىَ هذه الرغبة الشريفة، حُنا منا في نشر الثقافة الدينية الصحيحة في سائر بلاد المسلمين.

وها نحن أولاء نقدّم الجزء الأول من هذه الطبعة الثانية من تفسير الإمام محمد بن جرير الطبري، إلى علماء الآفاق الإسلامية، غير مدّخرين جهدا في إخراجها في ثوب فنىّ أنيق، بعد أن قامت لجنة التصحيح بمطبعتنا برياسة الشيخ (أحمد سعد على)أحد علماء الأزهر الشريف بمعارضة هذه الطبعة بالطبعتين السابقتين عليها، وبالمخطوطتين اللتين سبقت الإشارة إليهما، والنسخة رقم 100 تفسير بدار الكتب المصرية، مع بذل قُصارَى الجهد في الضبط والتصحيح.

وقد عملنا لهذا الجزء ثلاثة فهارس: الأول للآيات المفسرة، والثاني للموضوعات، والثالث لتصحيح الأخطاء التي وقعت في أثناء الطبع، وخاصة في ضبط بعض الشواهد.

وسنضاعف جهودنا في الأجزاء التالية، حتى لا يقع فيها شئ من الخطأ المطبعي أصلا.

ومن اللّه نستمد العون والتوفيق.

مدير شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي وأولاده محمود نصار الحلبي.

القاهرة في: 12 رجب سنة 1373 هـ،. 17 مارس سنة 1954 م.

------------------------

(1) اعتمدنا في هذه الترجمة عاى المصادر الآتية: (1) ترجمة المؤلف في إرشاد الأريب، إلى معرفة الأديب، لياقوت الحموي (18: 40 - 94) طبعة فريد رفاعي. و(ب) تاريخ خطيب بغداد (3: 162 - 168) طبعة السعادة بالقاهرة. و(ج) الطبري المفسر. وهو البحث الذي قدمه الدكتور السيد أحمد خليل إلى جامعة القاهرة للحصول على درجة الدكتوراه في الأدب سنة 1953.

(2) إرشاد الأديب، إلى معرفة الأديب (18: 44).

(3) ياقوت: كتاب إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب (18: 64، 65).

(4) السيوطي: كتاب الإتقان في علوم القرآن (ج 2 صلى اللّه عليه وسلم 160) طبعة الميمنية سنة 1317 هـ.

------------------------

صفحة 1 من 36969الصفحة التالية ›