تفسير الألوسيسورة البقرة › سورة البقرة، الآية 272

ابحث في الصفحة

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (272)}

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}: أي لا يجب عليك أيها الرسول أن تجعل هؤلاء المأمورين بتلك المحاسن المنهيين عن هاتيك الرذائل مهديين إلى الائتمار والانتهاء إن أنت إلا بشير ونذير وما عليه إلا البلاغ المبين.

{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي} بهدايته الخاصة المواصلة إلى المطلوب قطعاً.

{مَن يَشَاءُ} هدايته منهم والجملة معترضة جيء بها على طريق تلوين الخطاب وتوجيهه إلى سيد المخاطبين صلى الله تعالى عليه وسلم مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطاباًت المتعلقة بؤلئك المكلفين مبالغة في حملهم على الامتثال وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وأبو على الجبائي وهو مبني على رجوع ضمير {هُدَاهُمْ} إلى المخاطبين في تلك الآيات السابقة والذي يستدعيه سبب النزول رجوعه إلى الكفار فقد أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يأمرنا أن لا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية وأخرج ابن جرير عنه قال: كان أناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم ويريدونهم أن يسلموا فنزلت.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: (لا تصدقوا إلا على أهل دينكم)). فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} أي ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل دخولهم في الإسلام وحينئذ لا التفات وإنما هناك تلوين الخطاب فقط والآية حث على الصدقة أيضاً ولكن بوجه آخر والارتباط على التقديرين ظاهر وجعلها مرتبطة بقوله سبحانه: {يُؤْتِي الْحِكْمَة مَنْ [- ج 3 ص 73 -]

يَشَاءُ} (البقرة: من الآية 269). إشارة إلى قسم آخر من الناس لم يؤتها ليس بشيء.

{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} في وجوه البر.

{مِنْ خَيْرٍ} أي مال.

{فَلِأَنْفُسِكُمْ}: أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به في الآخرة غيركم {وَلا تَيَمَّمُوا الخبِيثَ} (البقرة: من الآية 267). ولا تبطلوه بالمن والأذى ورئاء الناس أو فلا تمنعوه عن الفقراء كيف كانوا فان نفعكم به ديني ونفع الكافر منهم دنيوي و {ما} شرطية جازمة لتنفقوا منتصبة به على المفعول و {من} تبعيضية متعلقة بمحذوف وقع صفة لاسم الشرط ومخصصة له.

{وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} استثناء من أعم العلل وأعم الأحوال أي ما تنفقون بسبب من الأسباب إلا لهذا السبب أو في حال من الأحوال إلا في هذه الحال والجملة إما حال أو معطوفة على ما قبلها على معنى {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} فإنما يكون لكم لا عليكم إذا كان حالكم أن لا تنفقوا إلا لأجل طلب وجه الله تعالى أو إلا طالبين وجهه سبحانه لا مؤذين ولا مانين ولا مرائين ولا متيممين الخبيث أو على معنى ليست نفقتكم إلا لكذا أو حال كذا فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث أو تمنعونها فقراء المشركين من أهل الكتاب وغيرهم وقيل: إنه نفي بمعنى النهي أي: لا تنفقوا إلا كذا وإقحام الوجه للتعظيم ودفع الشركة لأنك إذ قلت: فعلته لوجه زيد كان أجل من قولك فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً وأيضاً قول القائل فعلت هذا الفعل لفلان يحتمل الشركة وأنه قد فعله له ولغيره ومتى قال: فعلته لوجهه انقطع عرق الشركة عرفاً وجعله كثير من الخلق بمعنى الذات وبعضهم حملة هنا على الرضا وجعل الآية على حد {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} (البقرة: من الآية 265) تعالى والسلف بعد أن نزهوا وفوضوا كعادتهم في المتشابه.

{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} (البقرة: من الآية 272) أي تعطون جزاءه وافراً وافياً كما تشعر به صيغة التفعيل في الآخرة حسبما تضمنته الآيات من قبل وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والمراد نفي أن يكون لهم عذر في المخالفة الأمر المشار إليه في الإنفاق فالجملة تأكيد للشرطية السابقة وليس بتأكيد صرف وإلا لفصلت ولكنها تضمنت ذلك من [- ج 3 ص 74 -]

كون سياقها للاستدلال على قبح ترك ذلك الأمر فكأنه قيل: كيف يمن أو يقصر فيما يرجع إليه نفعه أو كيف يفعل ذلك فيما له عوض وزيادة وهي بهذا الاعتبار أمر مستقل وقيل: إن المعنى يوفر عليكم خلفه في الدنيا ولا ينقص به من مالكم شيء استجابة لقول صلى الله تعالى عليه وسلم:

((اللهم اجعل لمنفق خلفاً ولممسك تلفاً)). والتوفية إكمال الشيء وإنما حسن معها إليكم لتضمنها معنى التأدية وإسنادها إلى {ما} مجازي وحقيقته ما سمعت والآية بناءاً على سبب النزول دليل على جواز دفع الصدقة للكافر وهو في غير الواجبة أمر مقرر وأما الواجبة التي للإمام أخذها كالزكاة فلا يجوز وأما غيرها كصدقة الفطر والنذر والكفارة ففيه اختلاف والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يجوزه وظاهر قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} (الإنسان: 8) يؤيده إذ الأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركاً.

{وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272)} أي لا تنقصون شَيْئَاًً مما وعدتم والجملة حال من ضمير {إِلَيْكُمْ} والعامل يوف.