قال أبو محمد: والصحيح في هذا الباب أن الإنسان يخرج إلى الدنيا ليس عاقلا، لا معرفة له بشيء، كما قال عز وجل: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا).
قال أبو محمد: فحركاته كلها طبيعية، كأخذه الثديين حين ولادته، وتصرفه تصرف البهائم على حسبها في تألمها وطربها، حتى إذا كبر وعقل، وتقوت نفسه الناطقة، وأنست بما صارت فيه، وسكنت إليه، وبدت رطوباته تجف، بدأت بتمييز الأمور في الدار التي صارت فيها، فيحدث الله تعالى لها قوة على التفكر، واستعمال الحواس في الاستدلال، وأحدث الله تعالى لها الفهم بما تشاهد وما تخبر به، فطريقه إلى بعض المعارف اكتساب في أول توصله إليها؛لأنه بأول فهمه ومعرفته عرف أن الكل أكثر من الجزء، وأن جسما واحدا لا يكون في مكانين، وأنه لا يكون قاعدا قائما معا، وهو إن لم يحسن العبارة عن ذلك؛فإن أحواله كلها تقضي تيقنه كل ما ذكرنا.
وعرف أولا صحة ما أدرك بحواسه، ثم أنتجت له بعد ذلك سائر المعارف بمقدمات راجعة إلى ما ذكرنا، من قرب أو بعد، فكل ما ثبت عندنا ببرهان وإن كان بعيد الرجوع إلى ما ذكرنا؛فمعرفة النفس به اضطرارية؛لأنه لو رام جهده أن يزيل عن نفسه المعرفة بما ثبت عنده هذا الثبات؛لم يقدر.
فإذ هذا لا شك فيه؛فالمعارف كلها باضطرار، إذ ما لم يعرف بيقين قائما؛عرف بظن، وما عرف ظنا؛فليس علما ولا معرفة، هذا ما لا شك فيه، إلا أن يتطرق إلى طلب البرهان بطلب، وهذا الطلب هو الاستدلال، ولو شاء أن لا يستدل لقدر على ذلك، فهذا الطلب وحده هو الاكتساب فقط.
وأما ما كان مدركا بأول العقل وبالحواس فليس عليه استدلال أصلا، بل من قبل هذه الجهات يبتدي كل أحد بالاستدلال، وبالرد إلى ذلك؛فيصح استدلاله أو يبطل.
وحد العلم بالشيء؛وهو المعرفة به أن نقول: العلم والمعرفة اسمان واقعان على معنى واحد، وهو اعتقاد الشيء (الجزء/الصفحة:5/69) على ما هو عليه، وتيقنه به، وارتفاع الشكوك عنه.
ويكون ذلك:
إما بشهادة الحواس وأول العقل.
وإما ببرهان راجع من قرب أو من بعد إلى شهادة الحواس أو أول العقل.
وإما باتفاق وقع له في مصادفة اعتقاد الحق خاصة، بتصديق ما افترض الله عز وجل عليه أتباعه خاصة دون استدلال.
وأما علم الله تعالى فليس محدودا أصلا، ولا يجمعه مع علم الخلق حد، فلا حس ولا شيء أصلا.