من سنن العرب أن تعرب عن الجماد بفعل الإنسان، كما قال الراجز:
امتَلَأ الحَوضُ وقال قَطْني
وليس هناك قول، وكما قال الشَّماخ:
كأني كسوتُ الرَّحلَ أحْقَبَ سَهْوَقا * أطاع لهُ مِنْ رامَتَينِ حَديقُ
فجعل الحديق مطيعا لهذا العير لما تمكن من رعيه، والحديق لا طاعة له ولا معصية، وفي كتاب الله عزَّ وجلَّ: "فَوَجَدا فيها جِداراً يُريدُ أنْ يَنْقَضَّ"، ولا إرادة للجدار، ولكنه من توسع العرب في المجاز والاستعارة، قال الصُّوليّ: ما رأيت أحداً أشَدَّ بَذَخا بالكفر من أبي فراس، ولا أكثر إظهارا له منه ولا أدوم تعبثا بالقرآن قال يوما ونحن في دار الوزير أبي العباس أحمد بن الحسين ننتظر مجيئه: هل تعرف للعرب إرادة لغير مميز؟ فقلت: إن العرب تعبر عن الجمادات بقول ولا قول لها، كما قال الشاعر:
امتلأ الحوضُ وقال قَطْني
وليس ثمَّ قول، قال: لم أرد هذا، وإنما أريد في اللغة إرادة لغير مميز، وإنما عرّض بقوله عزّ وجلّ: "فوجدا فيها جِدارا يريد أن ينْقَضَّ فأقامَهُ" فأيَّدني الله عزَّ وجلَّ بأن تذكرت قول الراعي:
في مَهْمَهٍ فُلِقَتْ بهِ هاماتُها * فَلْقَ الفُؤوسِ إذا أرَدْنَ نصولا
فكأني ألقمته الحجر، وسُرَّ بذلك من كان صحيح النيَّة، وسود الله وجه أبي فراس.
والعرب تسمي التهيؤ للفعل والاحتياج إليه إرادة. قال أبو محمد اليزيدي: كنت والكسائي عند العباس بن الحسن العَلَوي فجاء غلام له وقال يا مولاي، كنت عند فلان فإذا هو يريد أن يموت، فضحكنا، فقال ممَّ ضحكتما؟ قلنا من قوله: يريد أن يموت، وهل يريد الإنسان أن يموت؟ فقال العباس: قد قال الله تعالى: "فوجَدا فيها جِداراً يريد أن يَنْقَضَّ فأقامَهُ"، وإنما هذا مكان يكاد. فَتَنَبَّهنا. والله أعلم.