الشكر شكران شكر الفوز والرفد هذا من الروح والثاني من الجسد
فالشكر للرفد يعطيني زيادته والشكر للفوز مثل السلب للأحد
والشكر للفوز محصور بغايته والشكر للرفد لا يجري إلى أمد
اعلم أن درجات الشكر في الأسرار الإلهية ألف درجة ومائتان وإحدى وخمسون درجة عند العارفين من أهل الله، وعند الملامية منهم ألف ومائتان وعشرون، ودرجاته في الأنوار عند العارفين خمسمائة وإحدى وخمسون درجة، وعند الملامية من أهل
[ ص199 ]
الأنوار خمسمائة وعشرون درجة. اعلم أيّدك الله أن الشكر هو الثناء على الله بما يكون منه خاصة لصفة هو عليها من حيث ما هو مشكور، ومن أسمائه الشكور وشاكر وقد قال: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}[إبراهيم: 7]
فهي صفة تقتضي الزيادة من المشكور للشاكر وهي واجبة بالاتفاق عقلاً عند طائفة وشرعاً عند طائفة، فإن شكر المنعم يجب عقلاً وشرعاً، وما تسمى الله تعالى بشاكر لنا إلاَّ لنزيده من العمل الذي أعطاه أن يشكرنا عليه لنزيده منه كما يزيدنا نعمة إذا شكرناه على نعمه وآلائه، ولا يصحّ الشكر إلاَّ على النعم فتفطن لنسبة الشكر إليه تعالى ببنية المبالغة في حق من أعطاه من العمل ما تعين على جميع أعضائه وقواه الظاهرة والباطنة في كل حال بما يليق به، وفي كل زمان بما يليق به، فيشكره الحق على كل ذلك بالاسم الشكور وهذا من خصوص أهل الله.
وأما العامة فدون هذه الرتبة في أعمال الحال والزمان وجميع الكل، فإذا أتوا بالعمل على هذا الحد من النقص تلقاهم الاسم الشاكر لا الشكور، فهم على كل حال مشكورون ولكن قال الله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }[سبأ: 13]
فهم خاصة الله الذين يرون جميع ما يكون من الله في حقهم وفي حق عباده نعمة إلهية سواء سرهم ذلك أم ساءهم فهم يشكرون على كل حال، وهذا الصنف قليل بالوجود وبتعريف الله إيانا بقلتهم.
وأما الشاكرون من العباد فهم الذين يشكرون الله على المسمى نعمة في العرف خاصة، والشكر نعت إلهي وهو لفظي وعلمي وعملي، فاللفظي الثناء على الله بما يكون منه على حد ما تقدم. والعملي قوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }[سبأ: 13]
فهذا هو الشكر العملي. وقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }[الضحى: 11]
فهو موجّه له وجه إلى اللفظ وهو الذكر بما أنعم الله به عليه، فإذا ذكر ما أنعم الله به عليه من النعم المعلومة في العرف من المال والعلم فقد عرض نفسه لنقصد في ذلك فيجود به على القاصد فيدخلك في الشكر العملي لأن من النعم ما يكون مستوراً لا يعرف صاحبها أنه صاحب نعمة فلا يقصد، فإذا حدث بما أعطاه الله وأنعم عليه به قصد به ذلك، فلهذا أمر بالحديث بالنعم، والتحدّث بالنعم شكر والإعطاء منها شكر على شكر، فجمع بين الذكر والعمل فيقول: الحمد لله المنعم المفضل. وأما الشكر العلمي وهو حق الشكر فهو أن يرى النعمة من الله فإذا رأيتها من الله فقد شكرته حق الشكر. خرّج ابن ماجه في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى يَا مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَّ الشُّكْرِ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: يَا مُوسَى إِذَا رَأَيْتَ النِعْمَةَ مِنِّي فَقَدْ شَكَرْتَنِي حَقَّ الشُّكْرِ» هذا حال من رأى النعمة.
ومن نعمته على عبده أن يوفقه لبذل ما عنده من نعم الله على المحتاجين من عباده، فيعطيهم بيد حق لا بيده، فهم ناظرون في هذه النعمة، وهي رؤيتهم ذلك التصريف من عند الله في مرضاة الله، فيدخلون في حزب من شكره حق الشكر، وهذا هو أعلى الشكر في الشاكرين، وهو هين على العارفين المتجردين عن أوصافهم برد الأمور إلى الله، وليس لهذا المقام نسبة إلاَّ لعالم البرازخ وهو الجبروت ليعم الطرفين، فإن البرازخ أتم المقامات علماً بالأمور وهو مقام الأسماء الإلهية فإنها برزخ بيننا وبين المسمّى، فلها نظر إليه من كونها اسماً له، ولها نظر إلينا من حيث ما تعطي فينا من الآثار المنسوبة للمسمّى فتعرف المسمّى وتعرفنا.
واختلف أصحابنا في الزيادة التي يعطيها الشكر هل هي من جنس ما وقع الشكر عليه أو لا يكون إلاَّ من نعم أخر أو منهما، فالمحققون يجعلونها من الجنس المشكور من أجله، وما لم يكن من جنسه فما هو من الزيادة التي أوجبها الشكر، بل تكون تلك النعم من باب المنة ابتداء لا من باب الجزاء. ومنهم من قال: أي نعمة وقعت بعد الشكر فهي جزاء وهي الزيادة، وما لم يقع عقيب شكر من النعم فهو من عين المنة، وإنما قالوا ذلك لعدم معرفتهم بالمناسبة بين الأشياء التي اختارها الحكيم سبحانه، وقصد القوم القائلون بهذا تنزيه الحق عن التقييد، بل يعطي ممّا شاء من غير تقييد، فالمحققون أكبر علماً منهم وهؤلاء في الظاهر أنزه، وفي المعنى: الكل سواء في تنزيه الحق، والله الموفق. انتهى الجزء التاسع والتسعون.