وفي الحد ايضا معنى آخر مما ينظر فيه وهو ان البدعة من حيث قيل فيها انها طريقة في الدين مخترعة إلى آخره يدخل في عموم لفظها البدعة التركية كما يدخل فيه البدعة غير التركية فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريما للمتروك أو غير تحريم فان الفعل مثلا قد يكون حلالا بالشرع فيحرمه الانسان على نفسه أو يقصد تركه قصدا
فبهذا الترك اما ان يكون لأمر يعتبر مثله شرعا اولا فان كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه اذ معناه انه ترك ما يجوز تركه أو ما يطلب بتركه كالذي يحرم على نفسه الطعام الفلاني من جهة أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما اشبه ذلك فلا مانع هنا من الترك بل ان قلنا بطلب التداوي للمريض فان الترك هنا مطلوب وان قلنا باباحة التداوي فالترك مباح
فهذا راجع إلى العزم على الحميه من المضرات وأصله قوله عليه الصلاة والسلام (ص 43) يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج إلى ان قال ومن لم يستطع فعليه بالصوم الذي يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت
وكذلك اذا ترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس فذلك من اوصاف المتقين وكتارك المتشابه حذرا من الوقوع في الحرام واستبراء للدين والعرض
وان كان الترك لغير ذلك فاما ان يكون تدينا اولا فان لم يكن تدينا فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك
ولا يسمى هذا الترك بدعة اذ لا يدخل تحت لفظ الحد الا على الطريقة الثانية القائلة ان البدعة تدخل في العادات
واما على الطريقة الاولى فلا يدخل
لكن هذا التارك يصير عاصيا بتركه أو باعتقاده التحريم فيما احل الله
واما ان كان الترك تدينا فهو الابتداع في الدين على كلتا الطريقتين اذ قد فرضنا الفعل جائزا شرعا فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع (ص 44) التحليل وفي مثله نزل قول الله تعالى ( {يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين} فنهى اولا عن تحريم الحلال
ثم جاءت الآيه تشعر أن ذلك اعتداء لا يحبه الله
وسيأتي للآيه تقرير ان شاء الله
لان بعض الصحابه هم ان يحرم على نفسه النوم بالليل وآخر الاكل بالنهار وآخر اتيان النساء وبعضهم هم بالاختصاء مبالغة في ترك شأن النساء
وفي امثال ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم من رغب عن سنتي فليس مني
فاذا كل من منع نفسه من تناول ما احل الله من غير عذر شرعي فهو خارج عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم
والعامل بغير السنة تدينا هو المبتدع بعينه
فان قيل فتارك المطلوبات الشرعية ندبا أو وجوبا هي يسمى مبتدعا ام لا فالجواب ان التارك للمطلوبات على ضربين احدهما ان يتركها لغير التدين اما كسلا أو تضييعا أو ما اشبه ذلك منالدواعي النفسيه فهذا الضرب راجع إلى المخالفه للامر فان كان في واجب فمعصية وان كان في ندب فليس بمعصية اذا كان الترك جزئيا وان كليا فمعصية حسبما تبين في الاصول
والثاني ان يتركها تدينا فهذا الضرب من قبيل البدع حيث تدين بضد ما شرع الله ومثاله اهل الاباحه القائلين باسقاط التكاليف اذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذى الذه حدوه (ص 45) فاذا قوله في الحد طريقة مخترعة تضاهي الشرعية يشمل البدعة التركية كما يشمل غيرها لان الطريقة الشرعية ايضا تنقسم إلى ترك وغيره
وسواء علينا قلنا ان الترك فعل ام قلنا انه نفى الفعل الطريقتين المذكورتين في أصول الفقه
وكما يشمل الحد الترك يشمل ايضا ضد ذلك
وهو ثلاثة اقسام قسم الاعتقاد وقسم القول وقسم الفعل فالجميع اربعة اقسام
وبالجمله فكل ما يتعلق به الخطاب الشرعي يتعلق به الابتداع (ص 46)