وتصح بالإيجاب والقبول والقبض، فإن قبضها في المجلس بغير إذنه جاز، وبعد الافتراق يفتقر إلى أذنه،
ص 49
وإن كانت في يده ملكها بمجرد الهبة، (444)
------------
(444) كتاب الهبة
وهي العطية الخالية عن تقدم الاستحقاق، يقال: وهبته ووهبت منه، قال تعالى - يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور - والاتهاب: قبول الهبة، ولهذا شرط فيها القبض، لأن تمام الإعطاء بالدفع والتسليم، وهو أمر مندوب وصنيع محمود محبوب، قال عليه الصلاة والسلام "تهادوا تحابوا" وفي رواية "تهابوا" وقبولها سنة، فإنه صلى الله عليه وسلم قبل هدية العبد، وقال في حديث بريرة "هو لها صدقة ولنا هدية" وقال عليه الصلاة والسلام "ولو أهدى إلي طعام لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت" وإليها الإشارة بقوله تعالى - فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا - أي طابت نفوسهن بشيء من ذلك فوهبنه منكم - فكلوه هنيئا مريئا - وهي نوعان: تمليك، وإسقاط، وعليها الإجماع.
قال (وتصح بالإيجاب والقبول والقبض) أما الإيجاب والقبول فلأنه عقد تمليك ولا بد فيه منهما. وأما القبض فلأن الملك لو ثبت بدونه للزم المتبرع شيء لم يلتزمه وهو التسليم بخلاف الوصية، لأنه لا إلزام للميت لعدم الأهلية ولا للوارث لعدم الملك، ولأن الملك بالتبرع ضعيف لا يلزم، وملك الواهب كان قويا فلا يلزم بالسبب الضعيف، وقد روي عن جماعة من الصحابة مرفوعا وموقوفا "لا تجوز الهبة والصدقة إلا مقبوضة محوزة" والمراد الملك لأن الجواز ثابت بدونه إجماعا.
قال (فإن قبضها في المجلس بغير إذنه جاز، وبعد الافتراق يفتقر إلى إذنه) والقياس أن لا يجوز في الوجهين إلا بإذنه لأنه تصرف في ملك الواهب لبقاء ملكه قبل القبض. وجه الاستحسان أن التمليك بالهبة تسليط على القبض وإذن له فصار الموهوب له مأذونا في القبض ضمنا للإيجاب واقتضاء، والإيجاب يقتصر على المجلس فكذا ما ثبت ضمنا له وكذلك الصدقة، بخلاف ما إذا نهاه عن القبض في المجلس، لأن الثابت ضمنا لا يعارض الصريح. أو نقول النهي رجوع والقبض كالقبول وأنه يملك الرجوع قبل القبض.
قال (وإن كانت في يده) كالمودع والمستعير والمستأجر والغاصب (ملكها بمجرد الهبة) لأنه إن كان قبضها أمانة فينوب عن الهبة، وإن كان ضمانا فهو أقوى من قبض الهبة، والأقوى ينوب عن الأدنى، ولو وهب من رجل ثوبا فقال قبضته صار قابضا عند أبي حنيفة، وجعل تمكنه من القبض كالتخلية في البيع. وقال أبو يوسف: لا بد من القبض بيده، ولو قبض الموهوب له الهبة ولم يقل قبلت صحت الهبة.