{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ
(68)}
{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ}. {أَوْلَى}: أفعل تفضيل من وليه ولياً وألفه منقلبة عن ياء لأن فاءه واو فلا تكون لامه واوا إذا ليس في الكلام ما فاؤه ولامه واوان إلا واو وأصل معناه أقرب ومنه ما في الحديث (لأولى رجل ذكر) ويكون بمعنى أحق كما تقول العالم بالتقديم وهو المراد هنا أي أقرب الناس وأخصهم بإبراهيم. [- ج 3 ص 314 -]
{لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه ُ} أي كانوا على شريعته في زمانه أو اتبعوه مطلقاً فالعطف في قوله سبحانه: {وَهَذَا النَّبِيُّ} من عطف الخاص على العام وهو معطوف على الموصول قبله الذي هو خبر {إِنَّ} وقرئ بالنصب عطفاً على الضمير المفعول والتقدير - للذين اتبعوا إبراهيم واتبعوا هذا النبي - وقرئ بالجر عطفاً على إبراهيم أي إن أولى الناس بإبراهيم وهذا النبي للذين اتبعوه واعترض بأنه كان ينبغي أن يثني ضمير {اتَّبَعُوهُ} ويقال: اتبعوهما وأجيب بأنه من باب {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} (التوبة: من الآية 62) إلا أن فيه على ما قيل: الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي وقوله تعالى:
{وَالَّذِينَ آمَنُوا} إن كان عطفاً على الذين اتبعوه يكون فيه ذلك أيضاً وإن كان عطفاً على هذا النبي فلا فائدة فيه إلا أن يدعى أنها للتنويه بذكرهم وأما التزام أنه من عطف الصفات بعضها على بعض حينئذ فهو كما ترى ثم إن كون المتبعين لإبراهيم عليه السلام في زمانه أولى الناس به ظاهر وكون نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أولاهم به الموافقة شريعته للشريعة الإبراهيمية أكثر من موافقة شرائع سائر المرسلين لها وكون المؤمنين من هذه الأمة كذلك لتبعيتهم نبيهم فيما جاء به ومن الموافق.
{وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)}: ينصرهم ويجازيهم بالحسنى كما هو شأن الولي ولم يقل –وليهم - تنبيهاً على الوصف الذي يكون الله تعالى به ولياً لعباده - وهو الإيمان - بناءاً على أن التعليق بالمشتق يقتضي عليه مبدأ الاشتقاق.
ومن ذلك يعلم ثبوت الحكم للنبي بدلالة النص قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال رؤساء اليهودي: الله يا محمد لقد علمت أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك وأنه كان يهودياً وما بك إلا الحسد فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأخرج عبد بن حميد من طريق شهر بن حوشب قال حدثني ابن غنم أنه لما خرج أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى النجاشي أدركهم عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط فأرادو عنتهم والبغي عليهم فقدموا على النجاشي وأخبروه أن هؤلاء الرهط الذين قدموا عليك من أهل مكة يريدون أن يحيلوا عليك ملكك ويفسدوا عليك أرضك ويشتموا ربك فأرسل إليهم النجاشي فلما أن أتوه قال ألا تسمعون ما يقول: صاحباكم هذان لعمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط يزعمان إنما جئتم لتحيلوا على ملكي وتفسدوا على أرضي فقال [- ج 3 ص 315 -]
عثمان بن مظعون وحمزة إن شئتم خلوا بين أحدنا وبين النجاشي فليكلمه أينا أحدثكم سناً فإن كان صواباً فالله يأتي به وإن كان أمراً غير ذلك قلتم رجل شاب لكم في ذلك عذر فجمع النجاشي قسيسيه ورهبانيته وتراجمته ثم سألهم أرأيتكم صاحبكم هذا الذي من عنده جئتم ما يقول لكم وما يأمركم به وما ينهاكم عنه هل له كتاب يقرؤه قالوا نعم هذا الرجل يقرأ ما أنزل الله تعالى عليه وما قد سمع منه ويأمر بالمعروف ويأمر بحسن المجاورة ويأمر باليتيم ويأمر بأن يعبد الله تعالى وحده ولا يعبد معه إله آخر فقرأ عليه سورة الروم والعنكبوت وأصحاب الكهف ومريم فلما أن ذكر عيسى في القرآن أراد عمرو أن يغضبه عليهم قال والله إنهم يشتمون عيسى ويسبونه قال النجاشي ما يقول: صاحبكم في عيسى قال يقول: إن عيسى عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم فأخذ النجاشي من سواكه قدر ما يقذي العين فخلف ما زاد المسيح على ما يقول صاحبكم بما يزن ذلك القذى في يده من نفثه سواكه فأبشروا ولا تخافوا فلا دهونة - يعني بلسان الحبشة - اللوم على حزب إبراهيم قال عمرو بن العاص: ما حزب إبراهيم قال هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن اتبعهم فأنزلت ذلك اليوم في خصومتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة
{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ} الآية.