وفي هذا الباب نفسه بإقرارهم: أن المسيح قال لتلاميذه: وإذا طلبتم في هذه المدينة فاهربوا إلى أخرى، أمين أقول لكم لا تستوعبون مدائن بني إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان، يعني رجوعه إلى الدنيا ظاهرا بعد رفعه إلى جميع الناس.
وفي الباب السابع من إنجيل مارقش، وفي أول الباب التاسع من إنجيل لوقا: أن المسيح قال لهم: إن من هؤلاء الوقوف بعض قوم لا يذوقون الموت حتى يروا ملك الله مقبلا بقدرة. (الجزء/الصفحة:2/24)
قال أبو محمد: وكذِبُ هذا المقول قد ظهر علانية، فقد استوعبوا مدائن بني إسرائيل وغيرها، ولم يروا ما وعدهم به من رجوعه بالقدرة علانية قبل أن يموت كل من بحضرته يومئذ، وحاشا لله أن يكذب نبي، فكيف إله؟!
ففي هذا الفصل وحده كفاية لو كان ثم عاقل؛ في أن الذين كتبوا هذه الأناجيل كانوا كذابين قوم سوء.
فإن قالوا: فإن في صحيح حديثكم أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال - وأشار إلى غلام بحضرته من بني النجار -: (إن استكمل هذا عمره أدرك الساعة)، فمات ذلك الغلام في حد الصبا.
وأنه كان يقول للأعراب إذا سألوه متى تقوم الساعة؟ فيشير إلى أصغرهم ويقول: (إن يستكمل هذا عمره لم يأته الموت حتى تقوم الساعة).
قلنا: هذا لفظ غلط فيه قتادة ومعبد بن هلال فحدثا به عن أنس على ما توهماه من معنى الحديث، ورواه ثابت بن أسلم البناني عن أنس كما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظه، فقال: (قامت عليكم ساعتكم)، وهكذا رواه الثقات أيضا عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ثابت عن أنس، وقال: أنه عليه السلام قال: (إن هذا لا يستوفي عمره حتى تقوم ساعتكم)، يعني وفاة أولئك المخاطبين له، وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، ولا خلاف في أن ثابتا البناني أثقف لألفاظ الأخبار من قتادة ومعبد، فكيف وقد وافقته أم المؤمنين، ونحن لا ننكر غلط الرواة إذا قام عليه البرهان أنه خطأ، وقد صح في القرآن والأخبار الثابتة من طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابنه وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدري متى تقوم الساعة أحد إلا الله.
ولو قال النصارى واليهود مثل هذا في نَقَلَةِ كتبهم ما عنفناهم ولا أنكرنا عليهم وجود الغلط في نقلهم، وإنما ننكر عليهم أن ينسبوا - يعني اليهود والنصارى - إلى الله تعالى الكذب البحت، ويقطعون أنه من عند الله تعالى، وننكر على النصارى أن يجعلوا من صح عنه الكذب معصوما يأخذون عنه دينهم، وأن يحققوا كل خبر متناقض، وكل قضية يكذب بعضها بعضا، ونعوذ بالله من الخذلان.