لما كان الميت شرع غسله وهو لا فعل له إذ كان غيره المكلف بغسله تنبيهاً لغاسله أن يكون بين يدي ربه في تطهيره بتوفيقه واستعماله في طاعته وما يجري عليه من أفعال خالقه به وفيه كالميت بين يدي غاسله، فلا يرى غسله بهذا الاعتبار بغسله للميت وإنما يرى أن الله هو مطهره، ويرى نفسه كالآلة يفعل بها الله ذلك الفعل، كما يرى الغاسل الماء آلة في تحصيل غسل الميت، إذ لولا الماء ما صحّ اسم الغاسل لهذا الذي يغسله، والماء لا يتصوّر منه الدعوى في أنه غسل الميت، فإن الماء ما تحرّك إليه ولا قصد غسله وإنما قصد بالماء غسل الميت غاسله، كذلك الغاسل لا يرى في قصده أنه قصد غسل الميت بالماء وإنما يرى نفسه مع الماء آلتين قصد الله بهما غسل هذا الميت، فالله المطهر لا هو ولا الماء، ولكن الله طهّر الميت بالغاسل وبالماء، فمثل هذا لا يغتسل من غسل الميت، فهذا اعتبار من يرى أنه لا يجب الغسل من غسل الميت. وأمّا من غسل ميتاً وغاب في غسله عن أن الله هو مطهره وادّعى ذلك الفعل لنفسه وأضافه إليها ورأى أنه لولاه ما طهر هذا الميت وجب عليه أن يغتسل ويتطهر من هذه الدعوى بالتوجّه والحضور مع الله في المستأنف والتذكّر لما غفل عنه من تطهير الله هذا الميت على يده، فمن اعتبر هذا أوجب الاغتسال من غسل الميت، وأما حكم الاغتسال من غسل الميت بالماء في ظاهر حكم الشرع فليس مذهبي القول بوجوبه ولكن إن اغتسل من ذلك فهو أولى وأفضل بلا خلاغ