ص 63
وهو عقد وثيقة بمال مضمون بنفسه يمكن استيفاؤه منه، ولا يتم إلا بالقبض أو بالتخلية، وقبل ذلك إن شاء سلم وإن شاء لا،
ص 64
ولا يصح إلا محوزاً مفرغاً متميزاً، فإذا قبضه المرتهن دخل في ضمانه، (346)
ص 65
------------
(346) كتاب الرهن: وهو في اللغة: مطلق الحبس، قال الله تعالى - كل نفس بما كسبت رهينة -. وفي الشرع: الحبس بمال مخصوص بصفة مخصوصة، شرع وثيقة للاستيفاء ليضجر الراهن بحبس عينه فيسارع إلى إيفاء الدين ليفتكها فينتفع بها ويصل المرتهن إلى حقه، ثبتت شرعيته بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى - فرهان مقبوضة - وأنه أمر بصيغة الإخبار نقلاً عن المفسرين، معناه: وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتباً فارتهنوا رهاناً مقبوضة وثيقة بأموالكم. والسنة ما روى "أنه عليه الصلاة والسلام رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي بالمدينة" وبعث صلى الله عليه وسلم والناس يتعاملون فأقرهم عليه، وعليه الإجماع.
قال (وهو عقد وثيقة) لا بد فيه من الإيجاب والقبول كسائر العقود.
قال (بمال مضمون بنفسه) أي بمثله (يمكن استيفاؤه منه) على ما نبينه إن شاء الله تعالى (ولا يتم إلا بالقبض) قال الله تعالى - فرهان مقبوضة- وصفها بكونها مقبوضة فلا تكون إلا بهذه الصفة، ولأنه عقد تبرع، ألا ترى أنه لا يجبر عليه، فيكون تمامه بالقبض كالهبة (أو بالتخلية) لقيامها مقامه كما في البيع والهبة (وقبل ذلك إن شاء سلم وإن شاء لا) لما بينا أنه تبرع؛ ثم الرهن لا يخلو، إما أن كان بدين وهو المثلى، أو بعين وهو غير المثلي؛ فإن كان بدين جاز على كل حال بأي وجه ثبت، سواء كان من الأثمان أو من غيرها، وإن كان بعين فالأعيان على وجهين: مضمونة، وغير مضمونة. فالمضمونة على وجهين: مضمونة بنفسها، ومضمونة بغيرها؛ فالمضمون بنفسه: ما يجب عند هلاكه مثله أو قيمته كالمغصوب والمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد، فيجوز الرهن بها لأنها مضمونة ضماناً صحيحاً يمكن استيفاء الدين منه؛ والمضمون بغيرها كالمبيع في يد البائع فلا يجوز الرهن بها، لأنه لا يجب بهلاكه حتى يستوفي من الرهن، لأنه إذا هلك المبيع يبطل البيع ويسقط الثمن فصار كما ليس بمضمون. والأعيان الغير المضمونة: وهي الأمانات كالوديعة والعارية ومال المضاربة والشركة والمستأجر ونحوها لا يجوز الرهن بها، لأن الرهن مقتضاه الضمان على ما نبينه إن شاء الله تعالى، وما ليس بمضمون لا يجود فيه معنى الرهن، وقوله في المختصر يمكن استيفاؤها منه احترازاً عن هذا، ولا يجوز بالشفعة ولا بالدرك ولا بدين سيجب، لأنه وثيقة بمعدوم، ولا بالقصاص في النفس وما دونها لعدم التمكن من الاستيفاء، ويجوز بجناية الخطأ ويكون رهناً بالأرش لأنه يمكن استيفاؤه، ولا يجوز بالكفالة بالنفس لتعذر الاستيفاء، ولا بأجرة النائحة والمغنية لأنه غير مضمون، ويجوز شرط الخيار للراهن أنه لا يملك الفسخ فيفيد الشرط، ولا يجوز للمرتهن لأنه يملك الفسخ بغير شرط فلا يفيد، ولا يجوز رهن ما لا يجوز بيعه كالحر والمدبر وأم الولد والمكاتب والميتة والدم لأنه يمكن الاستيفاء منها فلا يحصل التوثق، وكذا جذع في سقف وذراع من ثوب وأشباهه لما مر، ولا يجوز للمسلم رهن الخمر والخنزير، ويجوز للذمي، لأن الرهن والارتهان للوفاء والاستيفاء، ولا يجوز للمسلم ذلك من الخمر ويجوز للذمي،
ثم الرهن على ثلاثة أضرب: جائز، وباطل وقد ذكرناهما. وفاسد وهو رهن المبيع ورهن المشاع والمشغول بحق الغير، أو اشترى عبداً أو خلا ورهن بالثمن رهناً ثم ظهر العبد حراً والخل خمراً، أو قتل عبداً فأعطاه بقيمته رهناً ثم ظهر حراً. قال القدوري في شرحه: يهلك بغير شيء، لأن المبيع غير مضمون بنفسه، والقبض لم يتم في المشاع والمشغول، ولم يصح في الحر والخمر كما لو رهنه ابتداء. ونص محمد في المبسوط والجامع أن المقبوض بحكم رهن فاسد مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، لأن الرهن انعقد لمقابلة المال بالمال حقيقة في البعض، وفي البعض في ظنهما لكنه فسد لنقصان فيه، لأنه لا يمكن استيفاؤه من الرهن فيكون مضموناً بالأقل منهما، كالمقبوض في البيع الكاسد مضمون بقيمته فكذا هذا، إلا أنه يضمن الأقل منهما هنا؛ أما إذا كانت القيمة أقل فظاهر؛ وأما إذا كان الدين أقل فلأنه إنما قبضه ليكون مضموناً بالدين، والمختار قول محمد.
قال (ولا يصح إلا محوزاً مفرغاً متميزاً) فالمحوز المعلوم الذي يمكن حيازته، والمفرغ الذي لا يكون مشغولاً بحق الغير، والمتميز المقسوم الذي قد تميز عن بقية الأنصباء، لأن قبض الجزء الشائع لا يتصور بانفراده وقبض الكل لا يقتضيه العقد، وكذا كونه مشغولاً بحق الغير يخل بقبضه وحبسه، وكذا المجهول لا يمكن قبضه، ومقصود الرهن وهو الاستيثاق لا يحصل إلا بالحبس الدائم، والحبس لا يتصور بدون القبض، والقبض لا يمكن بدون هذا الأوصاف، فلا يصح الرهن بدونها.
قال (فإذا قبضه المرتهن دخل في ضمانه) لما روي "أن رجلاً رهن فرساً له بدين فنفق، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام للمرتهن: ذهب حقك" وقال عليه الصلاة والسلام "إذا عمى الرهن فهو بما فيه" قالوا: معناه - والله أعلم- إذا هلك فاشتبهت قيمته؛ وقد نقل أصحابنا إجماع الأمة على أنه مضمون على اختلافهم في كيفية الضمان، ولأنه لما ملك حبسه صار مستوفياً حقه من وجه لأنه الاستيفاء ليتوسل به إلى حقه مخافة الجحود، وقد تأكد هذا الاستيفاء بالهلاك، فلو وفاه ثانياً يؤدي إلى الربا، ولا يمكنه المطالبة بحقه إلا أن ينقض القبض والحبس ويرده إلى الراهن وأنه عاجز عنه ففات شرط المطالبة فبطلت؛ ومن ادعى أنه أمانة فقد خالف الإجماع وتعلقه بقوله عليه الصلاة والسلام "لا يغلق الرهن هو لصاحبه له غنمه وعليه غرمه" لا حجة له فيه لأن معناه لا يصير الرهن للمرتهن بدينه ولا يحبسه بحيث لا ينفك، هذا معناه، ويشهد له بيت ابن زهير:
وفارقتك برهن لا فكاك له * يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا
أي محبوساً لا فكاك له، وكذا كانت عادتهم في الجاهلية، فقال عليه الصلاة والسلام ذلك قلعاً لهم عن العوائد الجاهلية، لما فيه من تملك مال الغير بغير أمره وقوله "له غنمه وعليه غرمه" أي إذا بيع ففضل من الثمن شي فهو له، وإن نقص فعليه أو له غنمه لسقوط الدين عنه بهلاكه وعليه غرمه، وهو قضاء ما بقي من الدين إن لم يف به. وعن علي رضي الله عنه في مثله قال يترادان الفضل.