الاختيار لتعليل المختار، للموصليالجزء الثاني › كتاب الرهن › [من يضمن الرهن إذا هلك]

ابحث في الصفحة

ويهلك على ملك الراهن حتى يكفنه، ويصير المرتهن مستوفياً من ماليته قدر دينه حكماً والفاضل أمانة، وإن كان أقل سقط من الدين بقدره، وتعتبر القيمة يوم القبض، فإن أودعه أو تصرف فيه ببيع أو إجارة أو إعارة أو رهن ونحوه ضمنه بجميع قيمته، ونفقة الرهن وأجرة الراعي على الراهن ونماؤه له، ويصير رهناً مع الأصل.

ص 66

إلا أنه إن هلك يهلك بغير شيء، وإن بقي النماء وهلك الأصل افتكه بحصته، يقسم الدين على قيمته يوم الفكاك وقيمة الأصل يوم القبض وتسقط حصة الأصل، وتجوز الزيادة في الرهن (ز) ولا تجوز في الدين (س) ولا يصير الرهن رهناً بهما، وأجره مكان الحفظ على المرتهن، وله أن يحفظه بنفسه وزوجته وولده وخادمه الذي في عياله، وليس له أن ينتفع بالرهن،

ص 67

فإن أذن له الراهن فهلك حالة الاستعمال هلك أمانة. (347)

----------------

(347) قال (ويهلك على ملك الراهن حتى يكفنه) لأنه ملكه حقيقة،وهو أمانة في يد المرتهن حتى لو اشتراه لا ينوب قبض الرهن عن قبض الشراء، لأنه قبض أمانة فلا ينوب عن قبض الضمان، وإذا كان ملكه فمات كان عليه كفنه.

قال (ويصير المرتهن مستوفياً من ماليته قدر دينه حكماً والفاضل أمانة، وإن كان أقل سقط من الدين بقدره) لأن المضمون قدر ما يستوفيه من الدين، فعند زيادة قيمته الزيادة أمانة، لأنها فاضلة عن الدين وقد قبضها بإذن المالك، وعند النقصان قد استوفى قيمته فبقي الباقي عليه كما كان.

قال (وتعتبر القيمة يوم القبض) لأنه يومئذ دخل في ضمانه وفيه يثبت الاستيفاء يداً ثم يتقرر بالهلاك، ولو اختلفا في القيمة فالقول للمرتهن لأنه ينكر الزيادة، والبينة للراهن لأنه يثبتها.

قال (فإن أودعه أو تصرف فيه ببيع أو إجارة أو إعارة أو رهن ونحوه ضمنه بجميع قيمته) وكذا إذا تعدى فيه كاللبس والركوب والسكنى والاستخدام لأنه متعد في ذلك إذ هو غير مأمور به من جهة المالك والزائد على قدر الدين أمانة، والأمانات تضمن بالتعدي، ولا ينفسخ عقد الرهن بالتعدي، ولأنه ما رضي إلا بحفظه والناس يختلفون فيه فكان مخالفاً، بخلاف زوجته وولده وخادمه الذين في عياله، لأن الإنسان إنما يحفظ ماله غالباً بهؤلاء، فيكون الرضى بحفظه رضي بحفظهم، ولأنه لا بد له من ذلك، لأنه لا يمكنه ملازمة البيت ولا استصحاب الرهن، فصار الحفظ بهؤلاء معلوماً له فلا يضمن؛ ولبس الخاتم في خنصره تعد وفي غيرها حفظ، والتقلد بالسيف والسيفين تعد للعادة وبالثلاث لا؛ ووضع العمامة والطيلسان على الرأس كما جرت به العادة تعد، ووضعهما على العاتق أو الكتف لا؛ والتعمم بالقميص ليس بتعد؛ ووضع الخلخال موضع السوار وبالعكس ليس بتعد، ولبسهما موضعهما تعد.

قال (ونفقة الرهن وأجرة الراعي على الراهن) وكذلك كل ما يحتاج إليه لبقاء الرهن ومصلحته، لأنه باق على ملكه وذلك مئونة الملك، والرعي من النفقة لأنه علف الحيوان والكسوة والظئر وإصلاح شجر البستان وسقيها، وجذاذ الثمرة من النفقة.

قال (ونماؤه له) لبقائه على ملكه كالولد واللبن والسمن والثمرة (ويصير رهناً مع الأصل) لأن الرهن حق لازم فيسري إلى التبع (إلا أنه إن هلك يهلك بغير شيء) لأنه لم يدخل تحت العقد مقصوداً فلا يكون له قسط من الدين، ولأن المرتهن لم يقبضها بجهة الاستيفاء ولا التزام ضمانها فلا يلزمه كولد المبيعة قبل القبض مبيع وليس بمضمون على البائع، ولا معتبر بنقصان القيمة وزيادتها لأن ذلك يختلف باختلاف رغبات الناس، أما العين فلم تتغير، والقبض ورد على العين دون القيمة، وغلة العقار وكسب الرهن ليس برهن لأنه غير متولد منه ولا بدل عنه ككسب المبيع وغلته.

قال (وإن بقي النماء وهلك الأصل افتكه بحصته) لأن الرهن مضمون بالقبض والزيادة مقصودة بالفكاك، ومتى صار التبع مقصوداً قابله شيء من البدل كولد المبيع.

قال (يقسم الدين على قيمته يوم الفكاك، وقيمة الأصل يوم القبض) لما بينا (وتسقط حصة الأصل) لما مر.

قال (وتجوز الزيادة في الرهن ولا تجوز في الدين، ولا يصير الرهن رهناً بهما) وقال أبو يوسف: تجوز الزيادة في الدين أيضاً، لأن الدين والرهن كالثمن والمبيع فتجوز الزيادة فيهما بجامع دفع الحاجة، بدليل إقدامهما وصحة تصرفهما.

ولنا أن الزيادة في الرهن توجب شيوع الدين، وذلك غير مانع من صحة الرهن، والزيادة في الدين توجب شيوع الرهن لأنه لا بد أن يقابله شيء من الرهن وشيوع الرهن مانع من صحته على ما بينا.

وقال زفر: لا يجوز فيهما، أما في الدين فلما قالا، وأما في الرهن فلأنه جعله رهناً ببعض الدين فلا يجوز كما إذا جعله رهناً بكله، فإنه لو جعله رهناً بكله لا يجوز حتى يرد المرتهن الرهن الأول، وجوابه أن الزيادة تلحق بأصل العقد كما مر في البيع فيصير كأنه رهنهما من الابتداء.

قال (وأجرة مكان الحفظ على المرتهن) لأن الحفظ عليه ليرده إلى الراهن ليسلم له حقه فيكون عليه بدله أيضاً، وكذلك أجرة الحافظ وجعل الآبق، لأنه يحتاج إلى إعادة يده ليرده على مالكه فكان من مئونة الرد فيجب عليه، وإن كانت قيمته أكثر من الدين فعلى الراهن قدر الزيادة لأنها أمانة فتكون يده يد المالك فتكون المئونة على المالك، وهذا في جعل الآبق ظاهر، لأنه لأجل الضمان فيتقدر بقدر المضمون؛ أما أجرة البيت فالجميع على المرتهن لأنه بسبب الاحتباس، والحبس ثابت له في الكل، والخراج على الراهن لأنه مئونة ملكه.

قال (وله أن يحفظه بنفسه وزوجته وولده وخادمه الذي في عياله) وقد تقدم.

قال (وليس له أن ينتفع بالرهن) لأنه غير مأذون له في ذلك، وإنما له ولاية الحبس لا غير (فإن أذن له الراهن فهلك حالة الاستعمال هلك أمانة) لأنه عارية على ما يأتي في بابها، وإن هلك قبل الاستعمال هلك مضموناً لبقاء يد الراهن، وكذا بعد الاستعمال لزوال يد العارية وعود يد الراهن.