الاختيار لتعليل المختار، للموصليالجزء الثاني › كتاب الشهادات › [ما حكم من تعين لتحمل الشهادة]

ابحث في الصفحة

من تعين لتحملها لا يسعه أن يمتنع إذا طولب، فإذا تحملها وطلب لأدائها يفترض عليه إلا أن يقوم الحق بغيره، وهو مخير في الحدود بين الشهادة والستر، والستر أفضل، ويقول في السرقة:

ص 140

أخذ المال، ولا يقول: سرق، (387)

------------

(387) كتاب الشهادات: أصل الشهادة الحضور، قال عليه الصلاة والسلام "الغنيمة لمن شهد الوقعة" أي حضرها، ويقال: فلان شهد الحرب وقضية كذا إذا حضرها، وقال: (إذا علموا أني شهدت وغابوا) أي حضرت ولم يحضروا، والشهيد: الذي حضره الوفاة في الغزو حتى لو مضى عليه وقت صلاة وهو حي لا يسمى شهيدا، لأن الوفاة لم تحضره في الغزو. وفي الشرع: الإخبار عن أمر حضره الشهود وشاهدوه، إما معاينة كالأفعال نحو القتل والزنا، أو سماعا كالعقود والإقرارات، فلا يجوز له أن يشهد إلا بما حضره وعلمه عيانا أو سماعا، ولهذا لا يجوز له أداء الشهادة حتى يذكر الحادثة، قال عليه الصلاة والسلام "إن علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع" وهي حجة مظهره للحق مشروعة، قال تعالى -واستشهدوا شهيدين من رجالكم- وقال -وأشهدوا ذوي عدل منكم- وقال عليه الصلاة والسلام "شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك" وقال عليه الصلاة والسلام "البينة على المدعي" والبينة: الشهادة بالإجماع، ولأن فيها إحياء حقوق الناس، وصون العقود عن التجاحد، وحفظ الأموال على أربابها، قال عليه الصلاة والسلام "أكرموا شهودكم فإن الله تعالى يستخرج بهم الحقوق".

قال (من تعين لتحملها لا يسعه أن يمتنع إذا طولب) لما فيه من تضييع الحقوق، وإن لم يتعين فهو مخير، ولا بأس بالتحرز عن التحمل.

(فإذا تحملها وطلب لأدائها يفترض عليه) لقوله تعالى -ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا- وقال تعالى -ومن يكتمها فإنه آثم قلبه- ولأنه إضاعة لحقوق الناس فيحرم الامتناع.

(إلا أن يقوم الحق بغيره) بأن يكون في الصك سواه من يقوم الحق به فيجوز له الامتناع، لأن الحق لا يضيع بامتناعه، ولأنها فرض كفاية، ولا بد من طلب المدعى لأنها حقه.

قال (وهو مخير في الحدود بين الشهادة والستر) لأن إقامة الحدود حسبه، والستر على المسلم حسبة (والستر أفضل) قال عليه الصلاة والسلام "من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة" وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم "لقن ماعزا الرجوع وسأله عن حاله سترا عليه لئلا يرجم ويشتهر، وكفى به قدوة" وكذلك نقل عن الخلفاء الراشدين.

قال (ويقول في السرقة: أخذ المال) إحياء لحق المسروق منه (ولا يقول: سرق) إقامة لحسبة الستر.