ص 114
إذا خرج جماعة لقطع الطريق أو واحد فأخذوا قبل ذلك حبسهم الإمام حتى يتوبوا؛ وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي وأصاب كل واحد منهم نصاب السرقة قطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ؛ وإن قتلوا ولم يأخذوا مالاً قتلهم ولا يلتفت إلى عفو الأولياء؛ وإن قتلوا وأخذوا المال قطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ وقتلهم وصلبهم، أو قتلهم، أو صلبهم. (614)
---------
(614) فصل: (إذا خرج جماعة لقطع الطريق أو واحد فأخذوا قبل ذلك حبسهم الإمام حتى يتوبوا؛ وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي وأصاب كل واحد منهم نصاب السرقة قطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ؛ وإن قتلوا ولم يأخذوا مالاً قتلهم ولا يلتفت إلى عفو الأولياء) لأنه إنما يقتلهم حداً حقاً لله تعالى، ولا يصح العفو عن حقوق الله تعالى (وإن قتلوا وأخذوا المال قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم، أو قتلهم) يعني من غير قطع (أو صلبهم) من غير قطع.
والأصل في ذلك قوله تعالى - إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض - قيل معناه: الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله لاستحالة محاربة الله تعالى بطريق حذف المضاف. وقيل المراد أنهم في حكم المحاربين لأنهم لما امتنعوا على نائب الله الإمام وجماعة المسلمين وتظاهروا بمخالفة أوامر الله تعالى كانوا في حكم المحاربين، وهذا توسع في الكلام ومجاز كقوله تعالى - ومن يشاق الله - والمحاربون المذكورون في الآية هو القوم يجتمعون لهم منعة بأنفسهم يحمي بعضهم بعضاً، ويتناصرون على ما قصدوا إليه ويتعاضدون عليه، وسواء كان امتناعهم بحديد أو خشب أو حجارة، ويكون قطعهم على المسافرين في دار الإسلام من المسلمين وأهل الذمة دون غيرهم، هذا عند أبي حنيفة وأصحابه. قال أصحابنا: الآية مرتبة على ما ذكرنا من الأحوال الأربعة، وروى ذلك عن علي وابن عباس والنخعي وابن جبير رضي الله عنهم، ولأن الجنايات تتفاوت على الأحوال، فاللائق تغلظ الحكم بتغلظها، فإذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً حبسوا، وهو المراد من النفي من الأرض. وقيل هو أن الإمام لا يزال يطلبهم حتى يخرجوا من دار الإسلام، وإن أخذوا مالاً على الوصف المذكور قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى، ويشترط أن يكون المال معصوماً عصمة مؤبدة، فلهذا قال: مال مسلم أو ذمي، حتى لو قطع على مستأمن لا يقطع، لأن خطره مؤقت فلا يجب فيه حد كالسرقة الصغرى، ولا بد أن يصيب كل واحد نصاب لما مر في السرقة، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالاً قتلهم حداً على ما بينا، وإن قتلوا وأخذوا المال فالإمام فيهم بالخيار على الوجه الذي بينا، وهذا لأن أخذ المال موجب للقطع في السرقة الصغرى، وتغلظت الكبرى بقطع الطريق والقتل موجب للقتل في غير قطع الطريق، ويغلظ هنا بأن يقتل ولا يلتفت إلى عفو الولي وصلحه، وهو معنى قولنا يقتلهم حداً، فإذا جمع بين القتل والسرقة يجمع عليه بين موجبهما، وهكذا نزل جبريل عليه السلام بالحد فيهم، وتكون "أو" في الآية بمعنى الواو. وقال أبو يوسف: لا يترك الصلب لأنه منصوص عليه كالقتل والقطع، ولأنه ابلغ في التشهير وهو المقصود ليعتبر به، والجواب أن التشهير حصل بالقتل والصلب مبالغة فيخير فيه. وقال محمد: يقتل أو يصلب ولا يقطع، لأن النفس وما دونها إذا اجتمعا لحق الله تعالى دخل ما دون النفس في النفس كالمحصن إذا زنا وسرق. قلنا هذا حد واحد وجب لمعنى واحد، وهو إخافة الطريق على وجه الكمال بالقتل وأخذ المال، والحد الواحد لا يدخل بعضه بعضاً، ألا ترى أن قطع اليد والرجل حد واحد في أخذ المال في الكبرى حدان في الصغرى، والتداخل في الحدود لا في حد واحد. واختلفوا في صلبه. قال الطحاوي: يقتل ثم يصلب. وقال الكرخي: يصلب حياً.