وتقطع يمين السارق من الزند وتحسم،
ص 110
فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد لم يقطع ويحبس حتى يتوب فإن كان أقطع اليد اليسرى أو أشلها أو إبهامها أو إصبعين سواها، وفي رواية ثلاث أصابع أو أقطع الرجل اليمنى أو أشلها أو بها عرج يمنع المشي عليها لم تقطع يده اليمنى ولا رجله اليسرى. (612)
-----------------
(612) فصل: (وتقطع يمين السارق من الزند وتحسم) أما القطع فللقراءة المشهورة، وأما اليمين فلقراءة ابن مسعود وعليه الإجماع. وأما من الزند لأن الآية مجملة، فإن اليد تتناول إلى الإبط وتتناول إلى الزند وإلى المرفق، وقد وردت السنة مفسرة لها بما ذكرنا، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقطع يد السارق من الزند، وأما الحسم فلقوله عليه الصلاة والسلام "فاقطعوه واحسموه" ولأنه إذا لم تحسم يؤدي إلى التلف، لأن الدم لا ينقطع إلا به، والحد زاجر غير متلف، ولهذا لا يقطع في الحر الشديد والبرد الشديد (فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد لم يقطع ويحبس حتى يتوب) والأصل أن حد السرقة شرع زاجراً لا متلفاً، لأن الحدود شرعت للزجر عن ارتكاب الكبائر لا متلفة للنفوس المحترمة، فكل حد يتضمن إتلاف النفس من كل وجه أو من وجه لم يشرع حداً، وكل قطع يؤدي إلى إتلاف جنس المنفعة كان إتلافاً للنفس من وجه فلا يشرع، وقطع اليد اليسرى والرجل اليمنى يؤدي إلى إتلاف جنس منفعة البطش والمشي فلا يشرع حداً، وإليه الإشارة بقول علي رضي الله عنه: إني لأستحي من الله أن لا أدع له يداً يأكل بها ويستنجي بها ورجلاً يمشي عليها، وبهذا حاج بقية الصحابة فحجهم فانعقد إجماعاً. وعن عمر رضي الله عنه أنه أتى برجل أقطع اليد والرجل وقد سرق يقال له "سدوم" فأراد أن يقطعه، فقال له علي رضي الله عنه: إنما عليه قطع يد ورجل، فحبسه عمر رضي الله عنه ولم يقطعه، ففتوى علي ورجوع عمر رضي الله عنهما إليه من غير نكير ولا مخالفة من غيرهما دليل على إجماعهم عليه، أو أنه كان شريعة عرفوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بخلاف القصاص لأنه حق العبد فيستوفي جبراً لحقه. وما روى من الحديث في قطع أربعة السارق طعن فيه الطحاوي، أو نقول: لو صح لاحتج به الصحابة على علي رضي الله عنه ولرجع إليهم، وحيث حجهم ورجعوا إلى قوله دل على عدم صحته، فإن كانت يده اليمنى ذاهبة أو مقطوعة تقطع رجله اليسرى من المفصل، وإن كانت رجله اليسرى مقطوعة فلا قطع عليه لما فيه من الاستهلاك على ما بينا، ويضمن السرقة ويحبس حتى يتوب.
قال (فإن كان أقطع اليد اليسرى أو أشلها أو إبهامها أو إصبعين سواها، وفي رواية ثلاثة أصابع أو أقطع الرجل اليمنى أو أشلها أو بها عرج يمنع المشي عليها لم تقطع يده اليمنى ولا رجله اليسرى) وجملته أنه متى كان بحال لو قطعت يده اليمنى لا ينتفع بيده اليسرى، أو لا ينتفع برجله اليمنى لآفة كانت قبل القطع لا يقطع، لأن فيه تفويت جنس المنفعة بطشاً أو مشياً وقوام اليد بالإبهام، فعدمها أو شللها كشلل جميع اليد، ولو كانت إصبع واحدة سوى الإبهام مقطوعة أو شلاء قطع، لأن فوات الواحدة لا يوجب نقصاً ظاهراً في البطش، بخلاف الإصبعين لأنهما كالإبهام في البطش؛ ولو كانت اليد اليمنى شلاء أو ناقصة الأصابع يقطع في ظاهر الرواية، لأن المستحق بالنص قطع يده اليمنى دون اليسرى واستيفاء الناقص عند تعذر استيفاء الكامل جائز. وعن أبي يوسف: لا يقطع لأن مطلق الاسم يتناول الكامل ذكره في اختلاف زفر ويعقوب، ولو كانت رجله اليمنى مقطوعة الأصابع، فإن كان يستطيع المشي عليها قطعت يده اليمنى، وإلا فلا لما بينا؛ فإن سرق في الثالثة بعدما قطعت يده ورجله حبس وضرب، لأن القطع لما سقط لم يبق إلا الزجر بالحبس والضرب لحديث عمر رضي الله عنه.