ولا يدفعها إلى ذمي، ولا إلى غني، ولا إلى ولد غني صغير، ولا مملوك غني، ولا إلى من بينهما قرابة ولادٍ أعلى أو أسفل، ولا إلى زوجته، ولا إلى مكاتبه، ولا إلى هاشمي،
ص 121
ولا إلى مولى هاشمي، وإن أعطى فقيراً واحداً نصاباً أو أكثر جاز (ز) ويكره،
ص 122
ويجوز دفعها إلى من يملك دون النصاب وإن كان صححا مكتسباً، ولو دفعها إلى من ظنه فقيراً فكان غنياً، أو هاشمياً، أو دفعها في ظلمة فظهر أنه أبوه أو أبته أجزأه (س)، وإن كان عبده أو مكاتبه لم يجزه، ويكره نقلها إلى بلد آخر إلا إلى قرابته أو من هو أحوج من أهل بلده. (287)
ص 123
---------
(287) قال (ولا يدفعها إلى ذمي) لقوله عليه الصلاة والسلام "أمرت أن آخذها من أغنياكم وأردها على فقرائكم" ويدفع إليه غيرها من الصدقات كالنذور والكفارات وصدقة الفطر. وقال أبو يوسف: لا يجوز كالزكاة. ولنا أن المذكور مطلق الفقراء إلا أنه خص في الزكاة بالحديث فبقي ما وراءه على الأصل، ولا يجوز دفع شيء من ذلك إلى الحربي، لقوله تعالى- إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم- الآية، ولا يجوز دفع شيء من العشر إلى الذمي أيضاً كالزكاة وعليه الإجماع.
قال (ولا إلى غني) لقوله عليه الصلاة والسلام "لا تحل الصدقة لغني".
قال (ولا إلى ولد غني صغير) لأنه يعد غنياً بغنى أبيه عرفاً حتى لا تجب نفقته إلا على الأب، بخلاف الكبير فإنه لا يعد غنياً بغنى أبيه حتى تجب نفقته على ابنه لا على أبيه.
قال (ولا مملوك غني) لأن الملك يقع لمولاه.
قال (ولا إلى من بينهما قرابة ولاد أعلى أو أسفل) كالأب والجد والأم والجدة من الجانبين، والولد وولد الولد وإن سفل، وهذا بالإجماع، لأن الجزئية ثابتة بينهما من الجانبين حتى لا تجوز شهادة أحدهما للآخر، ولا يقطع بسرقة ماله، فلا يتم الإيتاء المشروط في الزكاة إلا بانقطاع منفعة المؤتى عما أتى والمنافع بينهم متصلة.
(ولا إلى زوجته) لأن المنافع بينهم متصلة ويعد غنياً بمال زوجته. قال تعالى- ووجدك عائلاً فأغنى- قالوا: بمال خديجة رضي الله عنها؛ وكذلك الزوجة لا تدفع إلى زوجها لأنها تعد غنية باعتبار مالها عليه من النفقة والكسوة، ولأنهما أصل الولاد، وما يتفرع من هذا الأصل يمنع صرف الزكاة فكذا الأصل، ولهذا يرث كل واحد منهما من الآخر من غير حجب كقرابة الولاد. وقال أبو يوسف ومحمد: تدفع إلى زوجها، لقوله عليه الصلاة والسلام لزينب امرأة ابن مسعود وقد سألته عن التصدق على زوجها "لك أجران: أجر الصدقة، وأجر الصلة". قلنا: هو محمول على صدقة التطوع لما بينا من اتصال المنافع بينهما وذلك جائز عنده.
قال (ولا إلى مكاتبه) لأنه ملكه من وجه فلم يتحقق الإيتاء المشروط.
قال (ولا إلى هاشمي) لقوله صلى الله عليه وسلم "يا بني هاشم إن الله حرم عليكم أوساخ الناس وعوضكم عنها بخمس الخمس" وهم: آل عباس، وآل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل الحارث بن عبد المطلب، لأنهم ينتسبون إلى هاشم بن عبد مناف، ولأن هؤلاء هم المستحقون لخمس الخمس، وهو سهم ذوي القربى دون غيرهم من الأقارب، فالله تعالى حرم الصدقة على فقرائهم وعوضهم بخمس الخمس، فيختص تحريم الصدقة بهم، ويبقى من سواهم من الأقارب كالأجانب فتحل لهم الصدقة، وكذلك الحكم فيما سوى الزكاة من الصدقات الواجبات كصدقة الفطر والكفارات والعشور والنذور وغير ذلك، لأنها في معنى الزكاة، فإنه يطهر نفسه بأداء الواجب وإسقاط الفرض، فيتدنس المؤدى كالماء المستعمل، بخلاف صدقة التطوع حيث تحل للهاشمي لأنها لا تدنس كالوضوء للتبرد.
قال (ولا إلى مولى هاشمي) لقول صلى الله عليه وسلم لمولاه أبي رافع وقد سأله عن ذلك "إن الصدقة محرمة على محمد وعلى آل محمد، وإن مولى القوم منهم". وذكر بعض أصحابنا: يجوز للهاشمي أن يدفع زكاة ماله إلى الهاشمي عند أبي حنيفة، خلافاً لأبي يوسف؛ ووجهه أن المراد بقوله أوساخ الناس غيرهم هو المفهوم من مثله، فيقتضي حرمة زكاة غيرهم عليهم لا غير. وذكر في المنتقى عن أبي عصمة عن أبي حنيفة أن الصدقة تحل لبني هاشم، وفقيرهم فيها كفقير غيرهم، ووجهه أن عوضها وهو خمس الخمس لم يصل إليهم لإهمال الناس أمر الغنائم وقسمتها إلى مستحقها، وإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المعوض عملاً بمطلق الآية سالماً عن معارضة أخذ العوض، وكما في سائر المعاوضات، ولأنه إذا لم يصل إليهم واحد منهما هلكوا جوعاً، فيجوز لهم ذلك دفعاً للضرر عنهم.
واعلم أن التمليك شرط. قال تعالى- وآتوا الزكاة- والإيتاء: الإعطاء؛ والإعطاء: التمليك، فلا بد فيها من قبض الفقير أو نائبه كالوصي والأب ومن يكون الصغير في عياله قريباً كان أو أجنبياً، وكذلك الملتقط للقيط، لأن التمليك لا يتم بدون القبض ولا يبنى بها مسجد ولا سقاية ولا قنطرة ولا رباط، ولا يكفن بها ميت، ولا يقضى بها دين ميت، ولا يشترى بها رقبة تعتق لعدم التمليك؛ ولو قضى بها دين فقير جاز، ويكون القابض كالوكيل عن الفقير.
قال (وإن أعطى فقيراً واحداً نصاباً أو أكثر جاز ويكره) وقال زفر: لا يجوز لمقارنة الأداء الغني فيمنع وقوعه زكاة. ولنا أن الغني يتعقب الأداء لحصوله بالقبض والقبض بعد الأداء، إلا أنه قريب منه فيكره كمن صلى قريباً من النجاسة. ومن المشايخ من قال: إن كان عليه دين لو قضاه بقي معه أقل من نصاب، أو كان له عيال لو فرق عليهم أصاب كل واحد دون النصاب لا يكره لأنه أعطاه سهماً من ذلك.
قال (ويجوز دفعها إلى من يملك دون النصاب وإن كان صحيحاً مكتسباً) لأنه فقير.
واعلم أن الغني على مراتب ثلاثة: غني يحرم عليه السؤال ويحل له أخذ الزكاة، وهو أن يملك قوت يومه وستر عورته؛ وكذلك الحكم فيمن كان صحيحاً مكتسباً، لقوله عليه الصلاة والسلام "من سأل عن ظهر غني فإنه يستكثر من جمر جهنم، قيل يا رسول الله وما ظهر غني؟ قال: أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم ويعشيهم" وغني يحرم عليه السؤال والأخذ ويوجب عليه صدقة الفطر والأضحية، وهو أن يملك ما قيمته نصاب فاضلاً عن الحوائج الأصلية من غير أموال الزكاة كالثياب والأثاث والعقار والبغال والحمير ونحوه. قال عليه الصلاة والسلام "لا تحل الصدقة لغني، قيل ومن الغني؟ قال: من له مائتا درهم" وغني يحرم عليه السؤال والأخذ، ويوجب عليه صدقة الفطر والأضحية، ويوجب عليه أداء الزكاة، وهو ملك نصاب كامل تام على ما بيناه.
قال (ولو دفعها إلى من ظنه فقيراً فكان غنياً أو هاشمياً) أو حربياً أو ذميا (أو دفعها في ظلمة فظهر أنه أبوه أو ابنه أجزأه) وقال أبو يوسف: لا يجزيه لأنه تبين خطؤه بيقين، فصار كالماء إذا ظهر أنه نجس بعد استعماله. ولنا أنه أتى بما وجب عليه، لأن الواجب عليه الدفع إلى من هو فقير في اجتهاده لأنه لا يمكن الوقوف على الحقيقة، فقد يكون في يد الإنسان مال لغيره أو مغصوب أو عليه دين، فإذا أعطاه بعد الاجتهاد أجزأه كما إذا أخطأ القبلة بعد الاجتهاد، ولحديث معاذ بن يزيد قال: "دفع أبي صدقته إلى رجل ليفرقها على المساكين فأعطاني، فلما علم أبي أراد أخذه مني فلم أعطه، فاختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا معن لك ما أخذت ويا يزيد لك ما نويت".
قال (وإن كان عبده أو مكاتبه لم يجزه) لأنه لم يخرج عن ملكه خروجاً صحيحاً، وهذا بالإجماع.
قال (ويكره نقلها إلى بلد آخر) لما تقدم من حديث معاذ، ولأن لفقراء بلده حكم القرب والجوار، وقد اطلعوا على أموالهم وتعلقت بهم أطماعهم، فكان الصرف إليهم أولى.
قال (إلا إلى قرابته) لما فيه من صلة الرحم مع سقوط الفرض (أو من هو أحوج من أهل بلده) لحديث معاذ، فإنه كان ينقل الصدقة من اليمن إلى المدينة، لأن فقراء المدينة أحوج وأشرف، ولو نقل إلى غيرهم جاز لإطلاق النصوص.