تفسير الطبريالجزء 25 › سورة الشورى › القول في تأويل قوله تعالى: {فاطر السموات والأرض}

ابحث في الصفحة

23653- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {يذرؤكم فيه} قال: يعيشكم فيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يذرؤكم فيه} قال: عيش من الله يعيشكم فيه.

وهذان القولان وإن اختلفا في اللفظ من قائليهما فقد يحتمل توجيههما إلى معنى واحد، وهو أن يكون القائل في معناه يعيشكم فيه، أراد بقوله ذلك: يحييكم بعيشكم به كما يحيي من لم يخلق بتكوينه إياه، ونفخه الروح فيه حتى يعيش حيا. وقد بينت معنى ذرء الله الخلق فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادته.

وقوله: {ليس كمثله شيء} فيه وجهان:

أحدهما أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل المثل في الكلام توكيدا للكلام إذا اختلف اللفظ به وبالكاف، وهما بمعنى واحد، كما قيل:

ما إن نديت بشيء أنت تكرهه

فأدخل على "ما" وهي حرف جحد "إن" وهي أيضا حرف جحد، لاختلاف اللفظ بهما، وإن اتفق معناهما توكيدا للكلام، وكما قال أوس بن حجر:

وقتلى كمثل جذوع النخيل تغشاهم مسبل منهمر

ومعنى ذلك: كجذوع النخيل، وكما قال الآخر:

سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم ما إن كمثلهم في الناس من أحد

والآخر: أن يكون معناه: ليس مثل شيء، وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام، كقول الراجز:

وصاليات ككما يؤثفين

فأدخل على الكاف كافا توكيدا للتشبيه، وكما قال الآخر:

تنفي الغياديق على الطريق قلص عن كبيضة في نيق

فأدخل الكاف مع "عن"، وقد بنا هذا في موضع غير هذا المكان بشرح هو أبلغ من هذا الشرح، فلذلك تجوزنا في البيان عنه في هذا الموضع.

وقوله: {وهو السميع البصير} يقول جل ثناؤه واصفا نفسه بما هو به، وهو يعني نفسه: السميع لما تنطق به خلقه من قول، البصير لأعمالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا يعزب عنه علم شيء منه، وهو محيط بجميعه، محص صغيره وكبيره {لتجزى كل نفس بما كسبت} [الجاثية: 22] من خير أو شر.