الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزمالجزء الأول: › فصل في مناقضات ظاهرة، وتكاذيب واضحة في الكتاب الذي تسميه اليهود التوراة، وفي سائر كتبهم، وفي الأناجيل الأربعة يتيقن بذلك تحريفها وتبديلها، وأنها غير الذي أنزل الله عز وجل: › فصل: الأنبياء معصومون من الوقوع في الكذب والخداع والغش:

ابحث في الصفحة

ثم ذكر أن إسحاق قال لابنه عيسو: يا بني قد شخت ولا أعلم يوم موتي، فاخرج وصد لي صيدا، واصنع لي منه طعاما كما أحب، وائتني به لآكله كي تباركك نفسي قبل أن أموت.

وأن رفقة أم عيسو ويعقوب أمرت يعقوب ابنها أن يأخذ جديين وتصنع هي منهما طعاما، ويأتي يعقوب إلى إسحاق أبيه ليأكله ويبارك عليه.

وأن يعقوب قال لأمه: إن عيسو أخي أشْعَر وأنا أجرد، لعل أبي أن يحس بي وأكون عنده كاللاعب، وأجلب على نفسي لعنة لا بركة.

فقالت له أمه: عليّ استدفاع لعنتك.

وأن يعقوب فعل ما أمرته به أمه، فأخذت هي ثياب عيسو ابنها الأكبر وألبستها يعقوب، وجعلت جلود الجديين على يديه وعلى حلقه، وأعطته الطعام وجاء به إلى (الجزء/الصفحة:1/108) أبيه، فقال له: يا أبي.

فقال له إسحاق: من أنت يا ولدي؟

قال يعقوب: أنا ابنك عيسو بكرك، صنعت جميع ما قلت لي، فاجلس وتأكل من صيدي لتبارك علي.

وأن إسحاق قال ليعقوب: تقدم حتى أجسك يا بني، هل أنت ابني عيسو أم لا؟

فتقدم يعقوب، فجسه إسحاق، وقال: الصوت صوت يعقوب واليدان يدا عيسو.

وقال: هل أنت هو ابني عيسو؟

فقال: أنا.

فبارك عليه، وقال له في بركته تلك: تخدمك الأمم، وتخضع لك الشعوب، وتكون مولى إخوتك، وتسجد لك بنو أمك.

ثم ذكر أن عيسو أتى بالصيد إلى إسحاق، فلما عرف إسحاق القصة، قال لعيسو عن يعقوب: قد صيرته سلطانا وجعلت جميع إخوته عبيدا، فرغب إليه عيسو في أن يباركه أيضا.

ففعل وقال في بركته: هو ذا بلا دسم الأرض يكون مسكنك، وبلا ندى السماء من فوق، وبسيفك تعيش، ولأخيك تستعبد، ولكن يكون حينما تجمح أنك تكسر نيره عن عنقك.

قال أبو محمد رضي الله عنه: وفي هذا الفصل فضائح وأكذوبات وأشياء تشبه الخرافات.

فأول ذلك: إطلاقهم على نبي الله يعقوب عليه السلام أنه خدع أباه وغشه، وهذا مبعد عمن فيه خير من أبناء الناس مع الكفار والأعداء، فكيف من نبي مع أبيه نبي أيضا، هذه سوءات مضاعفات، أين ظلمة هذا الكذب من نور الصدق في قول الله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم)؟!!

وثانية: وهي إخبارهم أن بركة يعقوب إنما كانت مسروقة مأخوذة بغش وخديعة وتخابث، وحاشا للأنبياء عليهم السلام من هذا، ولعمري إنها لطريقة اليهود، فما تلقى منهم إلا الخبيث المخادع، إلا الشاذ.

وثالثة: وهي إخبارهم أن الله تعالى أجرى حكمه، وأعطى نعمته على طريق الغش والخديعة، وحاشا لله من هذا.

ورابعة: وهي التي لا يشك أحد في أن إسحاق عليه السلام إذ بارك يعقوب إذ خدعه - بزعم النذل الذي كتب لهم هذا الهوس - إنما قصد بتلك البركة عيسو، وله دعا لا ليعقوب، فأي منفعة للخديعة ههنا لو كان لهم عقل، وما أشبه هذه القضية إلا بحمق الغالية من الرافضة القائلين: إن الله تعالى بعث جبريل إلى علي فأخطأ جبريل وأتى إلى محمد، وهكذا بارك إسحاق على عيسو فأخطأت البركة ومضت إلى يعقوب، فعلى كلتا الطائفتين لعنة الله، فهذه وجوه الخبث والغش في هذه القضية.

وأما وجوه الكذب فكثيرة جدا:

من ذلك نسبتهم الكذب إلى يعقوب عليه السلام، وهو نبي الله تعالى ورسوله في أربعة مواضع:

أولها: قوله لأبيه إسحاق: أنا ابنك عيسو وبكرك، فهذه كذبتان في نسق؛ لأنه لم يكن ابنه عيسو، ولا كان بكره.

وثالثة: قوله لأبيه: صنعت جميع ما قلت لي، فاجلس وكل من صيدي، فهذه كذبتان في نسق؛ لأنه لم يكن قال له شيئا، ولا أطعمه من صيده.

وكذبات أخر: وهي بطلان بركة إسحاق، إذ قال له: تخدمك الأمم وتخضع الشعوب، وتكون مولى إخوتك، ويسجد لك بنو أمك، وقوله لعيسو: ولأخيك تستعبد، وهذه كذبات متواليات، والله ما خدمت الأمم قط يعقوب، ولا بنيه بعده، ولا خضعت لهم الشعوب، ولا كانوا موالي إخوتهم، ولا سجد لهم ولا له بنوا أمه، بل بنوا بني إسرائيل خدموا الأمم في كل بلدة، وفي كل أمة، وهم خضعوا للشعوب قديما وحديثا، في أيام دولتهم وبعدها.

فإن قالوا: سيكون هذا.

قلنا لهم:

قد حصلتم على الصغار يقينا * والأماني بضائع السخفاء

هيهات (الجزء/الصفحة:1/109)

ترجى ربيع أن ستحيا صغارها * بخير وقد أعيا ربيعا كبارها

لا سيما مع تقضي جميع الآماد التي كانوا ينبئون بأنها لا تنقضي حتى يرجع أمرهم.

واعلموا أن كل أمة أدبرت فإنهم ينتظرون من العودة ويمنون أنفسهم من الرجعة بمثل ما تمني به بنو إسرائيل أنفسها، ويذكرون في ذلك مواعيد كمواعيدهم، فأمل كأمل ولا فرق، كانتظار مجوس الفرس بهرام هماوند راكب البقرة، وانتظار الروافض للمهدي، وانتظار النصارى الذين ينتظرون في السحاب، وانتظار الصائبين أيضا لقصة أخرى، وانتظار غيرهم للسفياني.

تمن يلذ المستهام بمثله * وإن كان لا يغني فتيلا ولا يجدي

وغيظ على الأيام كالنار في الحشا * ولكنه غيظ الأسير على الجد

وأما قوله: تكون مولى إخوتك، ويسجد لك بنو أمك، فلعمري لقد صح ضد ذلك جهارا، إذ في توراتهم أن يعقوب كان راعي ابن عمه لابان بن ناحور بن لامك وخادمه عشرين سنة، وأنه بعد ذلك سجد هو وجميع ولده - حاشا من لم يكن خلق منهم بعد لأخيه عيسو - مرارا كثيرة، وما سجد عيسو قط ليعقوب، ولا ملك قط أحد من بني يعقوب بني عيسو، وأن يعقوب تعبد لعيسو في جميع خطابه له، وما تعبد قط عيسو ليعقوب.

وسأله عيسو عن أولاده فقال له يعقوب: هم أصاغر منَّ الله بهم على عبدك.

وأن يعقوب طلب رضاء عيسو، وقال له: إني نظرت إلى وجهك كمن نظر إلى بهجة الله، فارض عني، واقبل ما أهديت إليك.

وأن عيسو بالحرا قبل هدية يعقوب حينئذ، فما نرى عيسو وبنيه إلا موالي يعقوب وبنيه، وكذلك ملك بنو عيسو بإقرار توراتهم ميراثهم لساعير، وهي جبال الشراة، وبنو لوط ميراثهم بمواب وعمان قبل أن يملك بنو إسرائيل ميراثهم بفلسطين والأردن بدهر طويل، ثم لم يزالوا يتغلبون على بني إسرائيل أو يساوونهم طول دولة بني إسرائيل بإقرار كتبهم، وما ملك بنو إسرائيل قط بني عيسو، ولا بني لوط، ولا بني إسماعيل، بإقرارهم، ولقد بقي بنو عيسو وبنو لوط - بإقرار كتبهم - في ميراثهم بساعير ومواب وعمان بعد هلاك دولة بني إسرائيل، وأخرجهم عن ميراثهم، ثم ملكهم بنو إسماعيل إلى اليوم، فما نرى تلك البركة كانت إلا معكوسة، ونعوذ بالله من الخذلان.

ولكن حق البركة المسروقة المأخوذة بالخبث - في زعمهم - أن تخرج معكوسة منكوسة.