وإن أتلفا شيئاً لزمهما، وأقوال العبد نافذة في حق نفسه، فإن أقر بمال لزمه بعد عتقه، وإن أقر بحد أو قصاص أو طلاق لزمه في الحال، وبلوغ الغلام بالاحتلام، أو الإحبال، أو الإنزال، أو بلوغ ثماني عشرة سنة (سم). والجارية بالاحتلام، أو الحيض، أو الحبل، أو بلوغ سبع عشرة سنة (سم)،
ص 96
وإذا راهقا وقالا بلغنا صدقا، ولا يحجر على (سم) الحر العاقل البالغ وإن كان سفيهاً ينفق ماله فيما لا مصلحة له فيه، ثم إذا بلغ غير رشيد لا يسلم إليه ماله،
ص 97
فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة سلم إليه ماله، وإن لم يؤنس رشده (سم) وإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ، (363)
ص 98
----------------
(363) قال (وإن أتلفا شيئاً لزمهما) إحياء لحق المتلف عليه، والضمان يجب بغير قصد كجناية النائم والحائط المائل، ولأن الإتلاف موجود حسا وهو سبب الضمان فلا يرد إلا في الحدود والقصاص، فيجعل عدم القصد شبهة، وينقلب القتل في العمد إلى الدية على ما يعرف في بابه إن شاء الله تعالى.
قال (وأقوال العبد نافذة في حق نفسه) لأهليته (فإن أقر بمال لزمه بعد عتقه) لعجزه في الحال وصار كالمعسر.
(وإن أقر بحد أو قصاص أو طلاق لزمه في الحال) لأنه في حق الدم مبقى على أصل الحرية، ولهذا لا ينفذ إقرار المولى عليه بذلك ولا يستباح بإباحته، وأما الطلاق فلقوله عليه الصلاة والسلام "لا يملك العبد إلا الطلاق" ولأنه أهل ولا ضرر فيه على المولى فيقع.
قال (وبلوغ الغلام بالاحتلام أو الإحبال، أو الإنزال، أو بلوغ ثماني عشرة سنة. والجارية بالاحتلام، أو الحيض، أو الحبل، أو بلوغ سبعة عشرة سنة) لأن حقيقة البلوغ بالاحتلام والإنزال.
قال عليه الصلاة والسلام "خذ من كل حالم وحالمة دينارا" أي بالغ وبالغة، والحبل والإحبال لا يكون إلا به، والحيض علامة البلوغ أيضاً، قال عليه الصلاة والسلام "لا صلاة لحائض إلا بخمار" أي بالغ؛ وأما البلوغ بالسن فالمذكور مذهب أبي حنيفة، وقالا: بلوغهما بتمام خمس عشرة سنة لأنه المعتاد الغالب.
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال "عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، وعرضت عليه في السنة الثانية فأجازني" وله قوله تعالى -ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ اشده -. قال ابن عباس رضي الله عنه: ثماني عشرة سنة، وهي أقل ما قيل فيه، فأخذنا به احتياطاً، هذا أشد الصبي، فأما أشد الرجل فأربعون، قال الله تعالى -حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة - والأنثى أسرع بلوغاً فنقصناها سنة؛ فأما الحديث فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يجيز غير البالغ، فإنه روى "أن رجلاً عرض على النبي عليه الصلاة والسلام ابنه فرده، فقال: يا رسول الله أترد ابني وتجيز رافعا وابني يصرع رافعا؟ فأمرهما فاصطرعا فصرعه فأجازه". وأدنى مدة يصدق الغلام فيها على البلوغ اثنا عشر سنة، والجارية تسع سنين، والجارية تسع سنين، وقيل غير ذلك، وهذا هو المختار.
(وإذا راهقا وقالا بلغنا صدقا) لأن ذلك لا يعرف إلا من جهتهما، فيصدقان فيه إذا احتمل الصدق.
قال (ولا يحجر على الحر العاقل البالغ، وإن كان سفيهاً ينفق ماله فيما لا مصلحة له فيه) وقالا: نحجر عليه ويمنع من التصرف في ماله نظراً له، لأنا حجرنا على الصبي لاحتمال التبذير، فلأن نحجر على السفيه مع تيقنه كان أولى، ولهذا يمنع عنه ماله ولا فائدة فيه بدون الحجر، لأنه يمكنه التبذير بما يعقده من البياعات الظاهرة الخسران، وقد روى "أنه عليه الصلاة والسلام باع على معاذ ماله وقضى ديونه" وباع عمر رضي الله عنه مال أسيفع جهينة لسفهه. ولأبي حنيفة ما روى "أن حبان بن منقذ كان يغبن في البياعات فطلب أولياؤه من النبي عليه الصلاة والسلام الحجر عليه، فقال له: إذا ابتعت فقل لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام ولم يحجر عليه" ولأنه مخاطب فلا يحجر عليه كالرشيد، ولأنه لا يدفع الضرر عنه بالحجر فإنه يقدر على إتلاف أمواله بتزويج الأربع وتطليقهن قبل الدخول وبعده في كل يوم ووقت، ولا معنى للحجر عليه لدفع الضرر عنه، ولا يندفع، ولأن الحجر عليه إهدار لآدميته وإلحاق له بالبهائم، وضرره بذلك أعظم من ضرره بالتبذير وإضافة المال، وهذا مما يعرفه ذوو العقول والنفوس الأبية، ولا يجوز تحمل الضرر الأعلى لدفع الضرر الأدنى حتى لو كان في الحجر عليه دفع الضرر العام جاز كالمفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس لعموم الضرر من الأول في الأديان، ومن الثاني في الأبدان، ومن الثالث في الأموال. وأما حديث معاذ قلنا: إنما باع ماله برضاه، لأن معاذاً لم يكن سفيهاً، وكيف يظن به ذلك وقد اختاره صلى الله عليه وسلم للقضاء وفصل الحكم، وكذلك بيع عمر رضي الله عنه، وقيل كان بيع الدراهم بالدنانير وأنه جائز، والحجر عليه أبلغ عقوبة من منع المال فلا يقاس عليه، ومنع المال عنه مفيد لأن غالب السفه يكون في الهبات والنفقات فيما لا مصلحة فيها، وذلك إنما يكون باليد؛ وإذا حجر عليه القاضي ورفع إلى قاض آخر فأبطله جاز، لأن القضاء الأول مختلف فيه ولا قضاء في مختلف فيه؛ فلو أمضاه الثاني ثم رفع إلى ثالث لا ينقضه، لأن الثاني قضى في مختلف فيه فلا ينقض، ثم عند أبي يوسف: إن كان مبذراً استحق الحجر فينفذ تصرفه ما لم يحجر عليه القاضي، فإذا صلح لا ينطلق إلا بإطلاقه. وقال محمد: تبذيره يحجره وإصلاحه يطلقه نظراً إلى الموجب وزواله. ولأبي يوسف: أنه فصل مجتهد فيه فلا بد من القضاء ليترجح به.
(ثم) عند أبي حنيفة (إذا بلغ غير رشيد لا يسلم إليه ماله) لعدم شرطه، وهو إيناس الرشد بالنص (فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة سلم إليه ماله، وإن لم يؤنس رشده، وإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ) وقالا: لا يدفع إليه ماله حتى يؤنس رشده بالنص، ولا يجوز تصرفه فيه لأن علة المنع السفه، فيبقى ببقائه. ولأبي حنيفة قوله تعالى -ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا - وهذا إشارة إلى أنه لا يمنع عنه إذا كبر، وقدره أبو حنيفة بهذه المدة، لأن الغالب إيناس الرشد فيها، ألا ترى أنه يصلح أن يكون جداً. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: ينتهي لب الرجل إلى خمس وعشرين سنة، وفسر الأشد بذلك في قوله تعالى -حتى يبلغ أشده - وتصرفه قبل ذلك نافذ، لأن المنع عنه للتأديب لا للحجر، فلهذا نفذ تصرفه فيه.
ثم نفرع المسائل على قولهما فنقول: إذا حجر القاضي عليه صار في حكم الصبي، إلا في أشياء فإنها تصح منه كالعاقل، وهي: النكاح، والطلاق، والعتاق، والاستيلاد، والتدبير، والوصية مثل وصايا الناس، والإقرار بالحدود والقصاص، لأنه من أهل التصرفات لكونه مخاطباً، أما النكاح فهو من الحوائج الأصلية، ويلزم بمثل مهر المثل لأنه لا غبن فيه، ويبطل ما زاد عليه لأنه تصرف في المال وصار كالمريض المديون، وإن كانت المرأة سفيهة فزوجت نفسها من كفء بأقل من مهر المثل جاز، فإن كان أقل بما لا يتغابن فيه الناس ولم يدخل بها يقال للزوج: إما أن تتم لها أو تفارقها، لأن رضاها بالنقصان لم يصح، ويخير الزوج أنه ما رضي بالزيادة، وإن دخل بها لم يخير ووجب مهر المثل فلا فائدة في التخيير. وأما الطلاق فلقوله عليه الصلاة والسلام "كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه" ولأن كل من ملك النكاح وقع طلاقه والعتق لوجود الأهلية، ويسعى العبد في قيمته لمكان الحجر عن التبرعات بالمال، إلا أن العتق لا يقبل الفسخ فقلنا بنفاذه، ووجوب السعاية نظراً للجانبين. وعن محمد أنه لا يسعى. وأما التدبير فلأنه يوجب حق العتق، أو هو عتق من وجه، فاعتبر بحقيقة العتق، إلا أنه لا يسعى إلا بعد الموت، فإذا مات ولم يؤنس رشده سعى في قيمته مدبراً كأنه أعتقه بعد التدبير. وأما الاستيلاد فإن وطئها فولدت وادعاه ثبت نسبه لحاجته إلى بقاء النسل فلا تسعى إذا مات، وكذلك إن اقر أنها أم ولده ومعها ولد، وإن لم يكن معها ولد سعت في قيمتها بعد الموت لأنه متهم في ذلك فصار كالعتق. وأما الوصية فالقياس أن لا تصح لأنها تبرع وهبة، لكنا استحسنا ذلك إذا كانت مثل وصايا الناس، لأنها قربة يتقرب بها إلى الله تعالى وهو محتاج إليها سيما في هذه الحالة. وأما الإقرار بالحدود والقصاص، فلأن الحجر عن التصرف في المال لا غير وهو عاقل بالغ فيصح إقراره فيما لا حجر عليه فيه، ويلزمه حقوق الله تعالى من الزكاة والكفارات والحج لأنه مخاطب، ولا حجر عن حقوق الله تعالى، فتخرج عنه الزكاة بمحضر من القاضي أو أمينه احترازاً من أن يصرفها في غير مصرفها. وأما الكفارات فما للصوم فيه مدخل فيكفره بالصوم لا غير كابن السبيل المنقطع عن ماله؛ ولو أعتق عن ظهاره نفذ العتق وسعى في قيمته، ولا يجزيه عن الظهار لأنه عتق ببدل كالمريض المديون إذا أعتق عن ظهاره ثم مات يسعى العبد للغرماء ولا يجزيه، وكذا سائر الكفارات؛ ولو كفر بالصوم ثم صلح قبل تمامه فعليه أن يكفر لزوال العجز. وأما الحج فإن القاضي يسلم النفقة إلى ثقة في الحاج ينفقها عليه، ولا يمنع من عمرة واحدة لوجوبها عند بعض العلماء، ولا من القران لأنه أفضل وأثوب، ولأنه لا يمنع من كل واحدة منهما على الانفراد، فكذا على الاجتماع وبل أولى لأنه افضل، وله أن يسوق البدنة لمكان الاختلاف، فإن عمر رضي الله عنه فسر الهدى بالبدنة، ويلزمه حقوق العباد إذا تحققت أسبابها عملاً بالسبب، وكذلك النفقة على زوجته وولده وذوي أرحامه، لأن السفه لا يبطل حقوق العباد، ولأنه نفقة الزوجة والأولاد من الحوائج الأصلية.