الاختيار لتعليل المختار، للموصليالجزء الرابع › كتاب الإيمان › [أنواع الأيمان من حيث البر وعدمه وما عليه إذا حنث]

ابحث في الصفحة

ص 47

وهي أنواع: منها ما يجب فيه البر كفعل الفرائض ومنع المعاصي، ونوع يجب فيه الحنث كفعل المعاصي وترك الواجبات، ونوع الحنث فيه خير

ص 48

من البر كهجران المسلم ونحوه، ونوع هما على السواء، فحفظ اليمين فيه أولى، وإذا حنث فعليه الكفارة، إن شاء أعتق رقبة، وإن شاء أطعم عشرة مساكين أو كساهم، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعات، ولا يجوز التكفير قبل الحنث،

ص 49

والقاصد والمكره والناسي في اليمين سواء. (562)

----------------

(562) (و) أما المنعقدة فـ (هي أنواع: منها يجب فيه البر كفعل الفرائض ومنع المعاصي) لأن ذلك فرض عليه فيتأكد باليمين (ونوع يجب فيه الحنث كفعل المعاصي وترك الواجبات) قال عليه الصلاة والسلام "من حلف أن يطيع الله فليطعه، ومن حلف أن يعصيه فلا يعصه" (ونوع الحنث فيه خير من البر كهجران المسلم ونحوه) قال عليه الصلاة والسلام "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت التي هي خير وليكفر عن يمينه" ولأن الحنث ينجبر بالكفارة ولا جابر للمعصية (ونوع هما على السواء، فحفظ اليمين فيه أولى) قال تعالى - واحفظوا أيمانكم - أي عن الحنث،

قال (وإذا حنث) يعني في الأيمان المستقبلة (فعليه الكفارة) لقوله تعالى - ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان -.

قال (إن شاء أعتق رقبة، وإن شاء أطعم عشرة مساكين أو كساهم، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعات) قال تعالى - فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة - خير فيكون الواجب أحدها، ثم قال - فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام - قرأ ابن مسعود رضي الله عنه: ثلاثة أيام متتابعات وقراءته مشهورة فكانت كالخبر المشهور، والكلام في الرقبة والطعام والتفصيل في ذلك مر في الظهار، وأما الكسوة فهو اسم لما يكتسى به، والمقصود منها رد العرى، وكل ثوب يصير به مكتسياً يسمى كسوة وإلا فلا، فإذا اختار الحانث الكسوة كسا عشرة مساكين كل مسكين ما ينطلق عليه اسم الكسوة، وروى عن أبي حنيفة وأبي يوسف أن أدناه ما يستر عامة بدنه فلا يجوز السراويل لأن لابسه يسمى عرياناً عرفاً. وعن محمد أدناه ما تجوز فيه الصلاة فلا يجوز الخف ولا القلنسوة لأن لابسهما لا يسمى مكتسياً ولهذا لا تجوز فيها الصلاة، وقيل لكل مسكين إزار ورداء وقميص، وقيل كساء وقيل ملحفة، وقيل يجوز الإزار إن كان يتوشح به، وإن كان يستر عورته دون البدن لا يجوز كالسراويل، وعلى قول محمد يجوز لأنه يجوز فيه الصلاة، وعن أبي حنيفة في العمامة إن كانت سابغة قدر الإزار السابغ أو ما يقطع منه قميص يجوز وإلا فلا، وما لا يجزيه في الكسوة يجزيه عن الإطعام باعتبار القيمة إذا نواه، ولا تتأدى الكفارة إلا بفعل يزيل ملكه عن العين ليكون زاجراً ورادعاً له فيتحقق معنى العقوبة فلا بد فيه من التمليك، ولو أعاره لا يجوز لأنه لا يزول ملكه عن العين، بخلاف الطعام حيث يجوز فيه الإباحة، لأن ملكه يزول عن الطعام بالإباحة كما يزول بالتمليك، ولو كفر عنه غيره بأمره جاز، وبغير أمره لا يجوز كما في الزكاة لأنها عبادة أو عقوبة، فلا بد من الإتيان بنفسه أو نائبه وذلك بالإذن لينتقل فعله إليه.

قال (ولا يجوز التكفير قبل الحنث) لقوله عليه الصلاة والسلام "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت التي هي خير وليكفر عن يمينه" وروى "ثم ليكفر يمينه" أمر وأنه يقتضي الوجوب ولا وجوب قبل الحنث، أو نقول: إذا حنث يجب عليه أن يكفر بالأمر، ولأن الكفارة ساترة والستر يعتمد ذنباً أو جناية ولم يوجد قبل الحنث لأن الجناية هي الحنث لما يتعلق به من هتك حرمة اسم الله تعالى واليمين مانعة من ذلك فلا تكون سبباً مفضياً إلى الحنث، بخلاف ما إذا كفر بعد الجرح قبل زهوق الروح، لأن الجرح سبب مفض إلى الزهوق غالباً، وبخلاف ما إذا أدى الزكاة بعد النصاب قبل الحول لأن السبب المال.

قال (والقاصد والمكره والناسي في اليمين سواء) قال عليه الصلاة والسلام "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والأيمان" وعن عمر رضي الله عنه: أربعة لا رد يدي فيهن وعد منها الأيمان، وروى "أن المشركين استحلفوا حذيفة وأباه أن لا يعينا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقيل لرسول الله فقال: يفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم" فحكم بصحة اليمين مع الإكراه، والكلام في الإكراه مضى في بابه، ولأن شرط الحنث هو الفعل، ووجود الفعل حقيقة لا يعدمه الإكراه والنسيان، ولا يصح يمين الصبي والمجنون والنائم لما مر في الطلاق.