ص 51
والحلف بغير الله تعالى ليس بيمين كالنبي والقرآن والكعبة، والبراءة منه يمين،
ص 52
وحق الله ليس بيمين، والحق يمين؛ ولو قال: إن فعلت كذا فعليه لعنة الله، أو هو زان أو شارب خمر فليس بيمين، ولو قال: هو يهودي أو نصراني فهو يمين، ولو قال: لعمر الله، أو وَاْيمِ الله، أو وعهد الله، أو وميثاقه، أو على نذر، أو نذر الله فهو يمين؛ ولو قال: أحلف، أو أقسم، أو أشهد، أو زاد فيها ذكر الله تعالى فهو يمين، (564)
------------------
(564) قال (والحلف بغير الله تعالى ليس بيمين كالنبي والقرآن والكعبة، والبراءة منه يمين) والأصل في هذا أن الحلف بغير الله تعالى لا يجوز لما روينا، وروى أنه عليه الصلاة والسلام سمع عمر يحلف بأبيه فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليصمت" وروى "من حلف بغير الله فقد أشرك" ولأن الحلف تعظيم المحلوف به ولا يستحقه إلا الله تعالى، وإذا لم يجز الحلف بغير الله تعالى لا يلزمه به كفارة لأنه ليس بيمين، ولم يهتك حرمة منع من هتكها على التأبيد ويدخل في ذلك ما ذكرنا؛ أما النبي والكعبة فظاهر؛ وأما القرآن فهو المجموع المكتوب في المصحف بالعربية لأنه من القرء وهو الجمع وأنه يقتضي الضم والتركيب وذلك من صفات الحادث فيكون غير الله تعالى وغير صفاته، لأن صفاته قائمة بذاته أزلية كهو، حتى لو حلف بكلام الله كان يميناً لأن كلامه صفة قائمة بذاته لا يوصف بشيء من اللغات، لأن اللغات كلها محدثة مخلوقة أو اصطلاحية على الاختلاف فلا يجوز أن تكون قديمة، بل هي عبارة عن القديم الذي هو كلام الله تعالى هذا مذهب أهل السنة والجماعة من أصحابنا، وكذلك دين الله وطاعة الله وشرائعه وأنبيائه وملائكته وعرشه وحدوده والصلاة والصوم والحج والبيت والكعبة والصفا والمروة والحجر الأسود والقبر والمنبر لأن جميع ذلك غير الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام "لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت، ولا بحد من حدود الله ولا تحلفوا إلا بالله" قال أبو حنيفة: لا يحلف إلا بالله متجرداً بالتوحيد والإخلاص. وأما البراءة من ذلك فيمين كقوله: إن فعلت كذا فأنا بريء من القرآن أو من الكعبة أو من هذه القبلة أو من النبي، لأن البراءة من هذه الأشياء كفر؛ وكذا إذا قال: أنا بريء مما في المصحف أو من صوم أو من الصلاة أو من الحج، وأصله أن كل ما يكون اعتقاده كفراً ولا تحله الشريعة ففيه الكفارة إذا حنث، لأن الكفر لا تجوز استباحته على التأييد لحق الله تعالى فصار كحرمة اسمه، ومن هذا أنا أعبد الصليب أو أعبد من دون الله إن فعلت كذا؛ ولو قال الطالب الغالب: إن فعلت كذا فهو يمين للعرف،
ولو قال (وحق الله ليس بيمين) وروى عن أبي يوسف أنه يمين، لأن الحق من صفات الله تعالى وهو حقيقة كأنه قال: والله الحق، ولأن الحلف به معتاد وهو المختار اعتباراً للعرف، ولهما ما روى "أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سئل عن حق الله تعالى على عباده؟ فقال: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً" فصار كقوله والطاعات والعبادات، ولو قال كذلك ليس يمين.
قال (والحق يمين) لأنه من أسماء الله تعالى، ولو قال حقاً لا يكون يميناً لأنه يراد به تأكيد الكلام وتحقيق الوعد. وقال الطحاوي: حقاً كقوله واجباً علي فهو يمين.
قال (ولو قال: إن فعلت كذا فعليه لعنة الله أو هو زان أو شاب خمر فليس بيمين) وكذلك غضب الله وسخط الله عليه لأنه غير متعارف في الأيمان (ولو قال: هو يهودي أو نصراني فهو يمين) لقول ابن عباس: إن حلف باليهودية والنصرانية فهو يمين، ولأنه لما جعل الشرط دليلاً على الكفر فقد اعتقد الشرط واجب الامتناع، وقد أمكن جعله واجباً لغيره بجعله يميناً كما قلنا في تحريم الحلال، ولو قال ذلك لشيء فعله فهو غموس، ثم قيل لا يكفر اعتباراً بالمستقبل، وقيل يكفر كأنه قال هو يهودي إذ التعليق بالماضي باطل؛ والصحيح أنه إن علم أنه يمين لا يكفر فيها وإن كان يعتقد أنه يكفر بالحنث يكفر فيهما، لأنه لما أقدم على الحنث فقد رضي بالكفر وعلى هذا هو مجوسي أو كافر ونحوه.
قال (ولو قال: لعمر الله، أو وأيم الله، أو وعهد الله، أو وميثاقه أو على نذر، أو نذر الله فهو يمين) أما عمر الله فهو بقاء والبقاء من صفات الله، ولأن الله تعالى أقسم به فقال - لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون - وأما وايم الله فمعناه أيمن الله وهو جمع يمين وأنه متعارف، وأما عهد الله فلقوله تعالى - وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم - ثم قال - ولا تنقضوا الإيمان - سمي العهد يميناً، والميثاق هو العهد عرفاً، والنذر يمين. قال عليه الصلاة والسلام "النذر يمين وكفارته كفارة يمين". وقال عليه الصلاة والسلام "من نذر نذراً وسماه فعليه الوفاء به، ومن نذر ولم يسم فعليه كفارة يمين".
قال (ولو قال: أحلف، أو أقسم، أو أشهد، أو زاد فيها ذكر الله تعالى فهو يمين) وكذا قوله أعزم، أو أعزم بالله، أو على يمين، أو يمين الله، وعن محمد: إذا قال أعزم أو أعزم بالله لا أعرفه عن أبي حنيفة. وقال زفر: أحلف وأقسم وأشهد لا يكون يميناً إلا أن يذكر اسم الله تعالى لأنه احتمل الحلف والقسم بالله، ويحتمل بغيره فلا يكون يميناً بالشك ولنا قوله تعالى - يحلفون لكم لترضوا عنهم - وقال - قالوا نشهد إنك لرسول الله - ثم قال - اتخذوا إيمانهم جنة - وقال - إذا أقسموا ليصر منها مصبحين ولا يستثنون - قال محمد: لا يكون الاستثناء في اليمن، ولأن حذف بعض الكلام جائز عند العرب تخفيفاً، لأن ذلك كالمعلوم لأن الحلف لا يكون إلا بالله فكأنهم ذكروه، وأما أعزم أو أعزم بالله فالعزم هو الإيجاب، قال تعالى - وإن عزموا الطلاق - والإيجاب هو اليمين. وقول محمد لا أعرفه عن أبي حنيفة فقد رواه عنه الحسن؛ وأما على يمين أو يمين الله فلأنه تصريح بإيجاب اليمين عليه، واليمين لا يكون إلا بالله وهو معتاد عند العرب. قال - فقالت يمين الله مالك حيلة - ووجه الله يمين، رواه ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله لأنه يذكر ويراد به الذات، قال تعالى - ويبقى وجه ربك - وقال - كل شيء هالك إلا وجهه - وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه ليس بيمين لعدم العرف بذلك ولأنه يذكر ويراد به غير الله تعالى، يقال: فعله ابتغاء وجه الله تعالى. أي وابه فلا يكون يميناً بالشك. وروى ابن شجاع عند أبي حنيفة رحمه الله أنها من إيمان السفلة: يعني أنهم يقصدون الجارحة فيكون يميناً بغير الله تعالى.