ص 86
ويجرد عن ثيابه إلا الإزار، ولا تجرد المرأة إلا عن الفرو والحشو، وإن حفر لها في الرجم جاز، ويضرب الرجل قائماً في جميع الحدود، ولا يجمع على المحصن الجلد والرجم، ولا يجمع على غير المحصن الجلد والنفي إلا أن يراه الإمام مصلحة فيفعله بما يراه، (593)
---------------
(593) قال (ويجرد عن ثيابه إلا الإزار) هكذا نقل عن علي رضي الله عنه، ولأنه ابلغ في إيصال الألم إليه، وحد الزنا مبناه على شدة الضرب فيقع أبلغ في الزجر، ونزع الإزار يؤدي إلى كشف العورة فلا ينزع.
قال (ولا تجرد المرأة إلا عن الفرو والحشو) لأن مبني حالهن على الستر، وفي نزع ثيابها كشف عورتها، والستر يحصل بدون الحشو والفرو، وفيهما منع من وصول الألم فينزعان وتضرب جالسة لأنه أستر لها. وعن علي رضي الله عنه: يضرب الرجال في الحدود قياماً والنساء قعوداً.
(وإن حفر لها في الرجم جاز) لما روينا من حديث الغامدية، وعلي رضي الله عنه حفر للهمدانية، وإن تركه لا يضر لأنه غير مأمور به.
(ويضرب الرجل قائماً في جميع الحدود) لحديث علي رضي الله عنه، ولا يمد ولا يشد لأنه زيادة عقوبة غير مستحقة عليه.
قال (ولا يجمع على المحصن الجلد والرجم) لأنه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً ولم يجلده، ولأنه لا فائدة في الجلد، لأن المراد من الحد الزجر وهو لا ينزجر بعد هلاكه، وزجر غيره يحصل بالرجم إذا القتل أبلغ العقوبات، وهو مذهب عامة العلماء.
قال (ولا يجمع على غير المحصن الجلد والنفي) لقوله تعالى - الزانية والزاني فاجلدوا - الآية، وأنه بيان لجميع الحكم لأنه كل المذكور، أو لأنه ذكره بحرف الفاء وهو الجزاء، فلا يزاد عليه إلا بدليل يساويه أو يترجح عليه، إذ الزيادة على النص نسخ، ولأن النفي يفتح عليها باب الزنا لقلة استحيائها من عشيرتها وفيه قطع المادة عنها فربما اتخذت ذلك مكسباً وفيه من الفساد ما لا يخفى، وإليه الإشارة بقول علي رضي الله عنه: كفى بالتغريب فتنة. وأما قوله صلى الله عليه وسلم "البكر بالكبر جلد مائة وتغريب عام" قلنا الآية متأخرة عنه فنسخته. بيانه أن الجلد في الأصل كان الإيذاء لقوله تعالى - فآذوهما - ثم نسخ بالحبس بقوله تعالى - فأمسكوهنّ في البيوت - إلى قوله - أو يجعل الله لهن سبيلاً - ثم قال صلى الله عليه وسلم "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً" الحديث فكان بياناً للسبيل الموعود في الآية، وذلك قبل نزول آية الجلد، فكانت ناسخة للكل، أو نقول: هو حديث آحاد فلا يزاد به على الكتاب لما بينا.
قال (إلا أن يراه الإمام مصلحة فيفعله بما يراه) فيكون سياسة وتعزيراً لا حداً، وهو تأويل ما روى من التغريب عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإن روى عن عمر أنه نفى رجلاً فلحق بالروم فقال: لا انفي بعدها أحداً؛ ولو كان النفي حداً لم يجز تركه، قال تعالى - ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر- فدل أنه كان سياسة وتعزيراً، ولأنه لو كان حداً لاشتهر بين الصحابة كسائر الحدود، ولو اشتهر لما اختلفوا فيه؛ وقد اختلفوا لما تقدم من قول علي ورجوع عمر فدل على أنه ليس بحد، ولا يقام الحد في مسجد. وروى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تقام الحدود في المساجد" وروى بن حزام قال (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقاد في المساجد أو ينشد فيها الشعر أو يقام فيها الحدود) ولأنه عساه ينفصل منه ما ينجس المسجد، وللإمام أن يخرجه إلى باب المسجد ويأمر من يجلده وهو يشاهده، ويجوز له أن يبعث بأمين ويأمره بإقامة الحد. قال صلى الله عليه وسلم في حديث العسيف "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها".