الاختيار لتعليل المختار، للموصليالجزء الخامس › كتاب الوصايا › [ممن تصح وما يستحب بها]

ابحث في الصفحة

ص 64

ولا تصحُّ إلا ممن يصح تبرعه، ويستحب أن ينقص من الثلث، وإن كانت الورثة فقراء لا يستغنون بنصيبهم فتركها أفضل، وتصح للحمل وبه وبأمه دونه، (723)

---------

(723) قال (ولا تصح إلا ممن تصح تبرعه) فلا تصحّ من الصبي والمجنون والمكاتب والمأذون، لأنه الوصية تبرع محض لا يقابله عمل مالي ولا نفع دنياوي فصار كالهبة وتنجيز العتق؛ وكذلك لو أوصى الصبي والمجنون ثم ماتا بعد البلوغ والإفاقة لعدم الأهلية حالة المباشرة؛ وكذلك لو قال: إن أدركت فثلثي لفلان وصية لا تصح لعدم أهلية التصرف، فلا يملكه تنجيرا ولا تعليقاً كالعتاق والطلاق؛ وأما العبد والمكاتب إذا أضافاها إلى ما بعد عتقهما لا تصح لأنهما أهل لذلك، وإنما امتنع في الحال لحق المولى، فإذا زال حقّ المولى زال المانع فتصح.

قال (ويستحبّ أن ينقص من الثلث) لقوله عليه الصلاة والسلام "والثلث كثير" أي في الوصية، وعن علي رضي الله عنه: لأن أوصى بالخمس أحب إلي من أن أوصى بالربع، ولأن أوصي بالربع أحبّ إلي من أوصي بالثلث، ولأن فيه صلة القريب بتركه حقه لهم، ولا صلة فيما أوصى بالثلث تاماً لأنه استوفى حقه فلا صلة.

قال (وإن كانت الورثة فقراء لا يستغنون بنصيبهم فتركها أفضل) لما فيه من الصلة والصدقة عليهم: قال عليه الصلاة والسلام "أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح" وقال عليه الصلاة والسلام "لا صدقة وذو رحم محتاج" وهو كما قال عليه الصلاة والسلام "صدقة وصلة" لأنه فقير فيكون صدقة وقريب فيكون صلة، وإن كانوا أغنياء أو كانوا يستغنون بميراثهم، قيل الوصية أولى، وقيل يخير لأن الوصية صدقة أو مبرة وتركها صلة والكل خير.

قال (وتصح للحمل به وبأمه دونه) أما للحمل فلأن الوصية استخلاف للموصى له في المال الموصى به، والحمل أهل لذلك كما في الميراث والوصية أخته، إلا أنها تبطل بالرجوع، لأن الملك إنما يثبت له بعد الموت، بخلاف الهبة لأنه تمليك للحال، وليس لأحد نقل الملك عنه فلا ينتقل؛ ثم إن كان الزوج ميتاً، فإن ولدت لأقل من سنتين وانفصل حياً جازت، وإن انفصل ميتاً لم تجز، لأنه يحال بالعلوق إلى أبعد الأوقات حملاً لأمرها على الصلاح، ولهذا يثبت نسبه إلى سنتين؛ وإن كان الزوج حياً فولدته لستة أشهر لا تصح الوصية، لأن في الوطء الحلال يحال بالعلوق إلى أقرب الأوقات لأنه لا يتيقن بوجود الحمل وقت الوصية إلا إذا ولدته لأقل من ستة أشهر. وأما الوصية به فإنما تصح إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر حتى يكون موجوداً وقت الوصية، فإذا كان موجوداً صحت الوصية به كالوصية بسائر الموجودات، ولأن الوصية تصح بالثمرة وهي غير موجودة فلأن تصح بالموجود أولى. وأما الوصية بأمه دونه فلأنه لما صح إفراده عنها وصح إفرادها عنه، لأن ما صح إفراده بالعقد يصح استثناؤه، وما لا فلا كما في المبيع وغيره، وهذا لأن اسم الجارية لا يتناول الحمل لكن عند الإطلاق يتبعها ضرورة الاتصال، فإذا أفردها نصاً صح لأن كل واحد منهما نفس بانفراده في الأصل.