ابحث في الصفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل الشريعة المطهرة بحراً يتفجر منه جميع بحار العلوم والخلجان، وأجرى جداوله على أرض القلوب حتى روى منها قلب القاصي والدان، ومنَّ على من شاء من عباده المختصين بالإشراف على ينبوع الشريعة بجميع أخبارها وآثارها المنتشرة في البلدان حتى شهدها بعد جمع أحاديثها في قلبه فجاءت شريعة واسعة جامعة لمراتب الإسلام والإيمان والإحسان، لا حرج فيها ولا ضيق على أحد من المسلمين ومن شهد ذلك فيها فشهوده تنطع وبهتان، فإن الله تعالى يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ومن ادعى الحرج في الدين فقد كذب القرآن، فإذن الشريعة كالشجرة العظيمة المنتشرة وأقوال علمائها كالفروع والأغصان، وكل من شهد تناقضاً في أخبارها أو خطأ في أقوال علمائها فإنما هو لقصوره عن درجة العرفان، فإن الشريعة قد جاءت على مرتبتين تخفيف وتشديد، ولكل منهما رجال لا على مرتبة واحدة كما سيأتي إيضاحه قريباً في الميزان، من عسر عليه الجمع بين حديثين منها أو قولين من أقوال علمائها فليجعل المائل إلى الاحتياط منهما في مرتبة الأولوية، والمائل إلى الرخصة في مرتبة خلاف الأولى، يطلع على ما قلناه من أعطى الفرقان، أحمده حمد من كرع من بحر الشريعة حتى شبع وروي منه الجسم والجنان، وأشكره شكر من علم كمال شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فوقف عند ما صرحت به ولم يرد عليها شيئاً من طريق الكشف أو الاستحسان، فإن هذين الطريقين ولو رخص في العمل بما نتج منهما فلا عصمة فيه ولا أمان وأسلم إليه تسليم من رزقه الله عز وجل حسن الظن بالأئمة ومقلديهم، وأقام لجميع أقوالهم الدليل والبرهان، فجازاه الله عز وجل بذلك الرضى عنه في الدنيا والآخرة وبوأه ما شاء من غرف الجنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من علم أن الله تعالى أعلم بمصالحه من نفسه وأنه تعالى ما سكت عن أشياء إلا رحمة بخلقه لا لذهول ولا نسيان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله الذي فضله على كافة خلقه وجعل إجماع أمته ملحقاً في العمل بالسنة والقرآن، اللهم فصل وسلم عليه وعلى جميع إخوانه من النبيين وعلى آلهم وأصحابهم والتابعين لهم بإحسان.

وبعد… فقد شكى إليَّ مراراً بلسان الحال وبلسان المقال جماعات من الفقراء المتعبدين وأهل الحرف النافعة من المؤمنين ما يجدونه في نفوسهم من كثرة الغم حين يسمعون العلماء يقرؤون مذاهبهم وينصرون أقوالها دون مذاهب غيرهم، وقالوا لي: قد التبس علينا شرع ربنا الذي تعبدنا تعالى به على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعسر علينا تمييزه عما شرعه المجتهدون من أمته، وازدرانا لجهلنا غالب الفقهاء الذين لم نتقيد بمذاهبهم، [1/ 6] فإن توضأنا على مذهب قال لنا أهل المذهب الآخر: وضوءكم باطل، وإن صلينا على مذهب قال لنا أهل المذهب الآخر: صلاتكم باطلة، وإن زكينا قالوا: زكاتكم باطلة، وإن صمنا قالوا: صومكم باطل، وإن حججنا قالوا: حجكم باطل، وإن بعنا قالوا: بيعكم باطل، وهكذا في سائر عباداتنا ومعاملاتنا وما نعرف الحق مع أيهم حتى نعرفه ونقتصر عليه، وكل أهل مذهب يريدون منه أن نكون على سياج مذهبهم فقط وينفرون من التقليد لغير مذهبهم إذا شاورناهم في التدين به، وقد أورث ذلك عندنا الحيرة والشك في غالب أحوالنا، وصرنا لا نعرف هل أفعالنا وأقوالنا وعقائدنا موافقة للشريعة أم مخالفة لها، فقلت لهم: جالسوا العلماء وأكثروا من مجالستهم تعرفوا ما له دليل من أفعالكم مما لا دليل له، فقالوا: قد جالسناهم مراراً كثيرة فوجدناهم لا يذكرون من الشريعة حديثاً إلا في النادر، وغالب اشتغالهم وبحثهم إنما هو في فهم تراكيب كلام بعضهم بعضاً، وأخذ الأحكام من عطفه ومفاهيمه، ثم إنهم يفتون بذلك ويعملون به كأن ذلك الذي فهموه دليل شرعي، ثم إنهم بعد ذلك يضيفون ما فهموه من العطف والمفاهيم إلى مذهب ذلك الإمام الذي قلدوه ويسمونه مذهبه، ومذهب الإنسان إنما هو ما قاله ولم يرجع عنه إلى أن مات لا ما فهم من كلامه وقد يكون صاحب الكلام الذي فهموا منه تلك الأحكام لا يرضى ما فهموه ولا يقول به وبتقدير رضاه به فما هو شرع معصوم حتى يجب على أحد العمل به كالشريعة، ثم إنا نجدهم في مجالس تعلمهم لا يسلم بعضهم لبعض ولا يرجع بعضهم إلى قول بعض ولا لشيخهم، فيقوم العامي منا من مجلسهم وما تحصل له شيء من كلامهم يعتمد عليه. فقلت لهم: جالسوا هذا العالم مرة وخذوا بما عليه أكثرهم، فقالوا: ومن أين للعامي منا معرفة ما عليه الأكثر حتى تأخذ به ونحن لا نمضي لأهل مذهب إلا وننسى ما قاله أهل المذهب الآخر من كثرة اختلاف ترجيحاتهم؟.

فقلت لهم: تجردوا واشتغلوا بالعلم على طريق اشتغال طلبة العلم حتى تصلوا إلى درجة أكابر العلماء، فقالوا: نحن لا نتفرغ لذلك مع السعي على عيالنا وعلى وفاء ديوننا وعلى توفية ما علينا من المظالم، ولا تطيب نفوسنا أن نجلس في مدرسة أو جامع نأكل أوساخ الناس وصدقاتهم كالفقهاء، فإنا إذا تركنا حرفتنا احتجنا إلى الأكل من ذلك ضرورة، وقد جربنا الأكل من مال الأوقاف فوجدناه يظلم قلوبنا ثم بتقدير جلوسنا من التكسب واشتغالنا كما اشتغلوا فما نحن على شريعة معصومة عن الخطأ، لأن غاية ما استنبطه العلماء الظن لا اليقين، ولذلك لم يبلغنا عن أئمة المذاهب رضي الله عنهم أنهم أمروا أحداً بتقليدهم فيما استنبطوا لعلمهم بعدم عصمتهم، بل إذا خالف كلامنا صريح السنة فارموا به، فقلت لهم: وما قصدكم، قالوا: أن تجمع لنا كتاباً حاوياً لأدلة المذاهب الأربعة المشهورة وغيرها من صريح سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين من أصحابه وتجرده عن أقوال جميع المجتهدين التي لم تصرح بأحكامها الشريعة لنعرف ما شرعه نبينا من غيره فنقدم العمل به إذ هو الذي يسألنا ربنا عن العمل به، فإذا عملنا بما شرعه نبينا صلى الله عليه وسلم ورأينا [1/ 7] فينا ذلك متسعاً لغيره بما شرعه المجتهدون من أمته، فإنه ولو أذن لهم في التشريع لا يجب على أحد العمل بما شرعوه لا عليهم ولا على من قلدهم لأن الوجوب لا يكون حقيقة إلا من السيد على العبد لا من العبد على نفسه وليس السيد إلا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي لعبد أن يزاحم سيده في مرتبة السيادة، فقلت لهم: مثلكم لا يكلفه الله تعالى بالاطلاع على السنة الواردة حتى يعمل بها بل يكفيه العمل بكلام العلماء، وإنما يكلف بالاطلاع على أصول أدلة الشريعة أكابر الأولياء الذين خرجوا من طريق الظن إلى نور الكشف والتعريف، فقالوا: مسلم ما قلت ولكن هذا لا يكون إلا عند عجزنا عن سماع أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم بفقدها من الدنيا والعياذ بالله تعالى، فقلت: اعتقادنا، ولو لم نفقد أحاديث نبينا، أن جميع أقوال المجتهدين التي استنبطوها مأخوذة من شعاع نور الشريعة ومتفرعة عنها، وضربت لهم مثالاً للشريعة المطهرة، فقلت لهم: مثال عين الشريعة التي تفرع منها قول كل عالم، مثال العين الأولى من شبكة الصياد للسمك، ومثال أقوال العلماء مثال العيون المنتشرة منها، فانظروا إلى جميع العيون المتفرعة منها في سائر الأدوار تجدونها متفرعة من العين الأولى، وكذلك حكم عين الشريعة مع أقوال علمائها، فقالوا: هذا مشهد نفيس خاص بأهل الكشف لا نتعقله وما نعرف إلا افعلوا كذا بلا خلاف أو اتركوا كذا بلا خلاف، فلما تحقق عندي بهذه الأجوبة صدقهم في قصدهم اتباع سنة نبيهم وشدة ظهور رغبتهم في ذلك شمرت عن ساق الجد والاجتهاد وشرعت بعون الملك الوهاب في جمع أحاديث الشريعة وآثارها من كتب الأحاديث التي تيسرت لنا حال جمعه في البلاد المصرية حرسها الله تعالى، كموطأ الإمام مالك، ومسند الإمام سنيد بن داود(2) مولى بني هاشم وهو من أقران مالك يروي عن وكيع، وقد وقع لي منه نسخة بخط الإمام محمد بن عزرة الأزدي، وقد أخبرني جماعة أن حفاظ مصر تطلبوا منه نسخة طول عمرهم فلم يظفروا منه بنسخة وكالصحيحين ومسانيد الأئمة الثلاثة: الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد، والإمام الشافعي، وصحيح أبي داود، وصحيح الحاكم، وصحيح ابن خزيمة، وابن حبان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والأحاديث المختارة للضياء المقدسي، قال الشيخ جلال الدين السيوطي: وكلها صحيحة وغير ذلك من كتب حفاظ المحدثين رضي الله عنهم أجمعين، بل لم أذكر في هذا الكتاب شيئاً من أحاديث غير هذه الكتب إلا نادراً، لأنها هي التي استمدها العلماء وتلقوها بالقبول ولا يخرج عنها من أحكام الشريعة فيما أعلم إلا النادر، والفلك المحيط لجميع هذه الكتب وغيرها من المسانيد الغريبة كتاب جامع الأصول لابن الأثير، وكتاب السنن الكبرى للبيهقي، وكتاب الجامع الكبير، والجامع الصغير، وكتاب زيادة الصغير، كل هذه الثلاثة الأخيرة للشيخ جلال الدين السيوطي خاتمة حفاظ الحديث بمصر المحروسة رضي الله عنه، وقد [1/ 8] طالعت جميع هذه الكتب وأخذت منها جميع ما يتعلق بأمر أو نهي أو مكارم أخلاق من الأحاديث والآثار، وتركت كل ما زاد على ذلك من السير والتفسير وغير ذلك مما هو ليس من شرط كتابنا، فصار كتابنا هذا بحمد الله حاوياً لمعظم أدلة مذاهب المجتهدين، وما نعلم الآن في كتب المحدثين كتاباً أجمع لأحاديث الشريعة وآثارها منه، فإنه جمع مع صغر حجمه أدلة المجتهدين المشهورة، وإن أردت امتحان ذلك فانظر في أي باب منه، وانظر ذلك الباب في جميع أبواب كتب المحدثين تجد جميع ما قالوه في أبواب كتبهم كلها مستوفى في باب واحد من كتابنا، فإن كتب المحدثين إنما طالت بذكر السند وتكرار الأحاديث فلله الحمد، ولم أعز أحاديثه إلى من خرجها من الأئمة لأني ما ذكرت فيه إلا ما استدل به الأئمة المجتهدون لمذاهبهم،

وكفانا صحة لذلك الحديث استدلال مجتهد به كما سيأتي بيانه قريباً في الميزان وملت فيه إلى الاختصار، فلا أذكر من كل حديث إلا محل استدلال المطلق للترجمة فأقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كذا أو يقول كذا أو يأمر بكذا أو ينهى عن كذا أو يرخص في كذا أو يشدد، ومرادي وقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ولو مرة ثم يكون ذلك الأمر قد تكرر وقوعه منه صلى الله عليه وسلم وقد لا يكون تكرار، ولا أذكر القصة التي سيق فيها الحديث إلا في كذا إن اشتملت على موعظة أو اعتبار أو أدب من الآداب، ولا أكرر حديثاً في باب واحد إلا لزيادة حكم ظاهر لم يكن في الحديث الذي قبله، والذي دعاني إلى شدة هذا الاختصار مناسبة الزمان والسامعين من غالب الفقراء والمحترفين وعامة المسلمين، وتعجيل ذكر ما هو المقصود من الحديث ولم أمل فيه إلى تأويل حديث ولا إلى النسخ بالتاريخ كما يفعله بعضهم أدباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يتقيد كلامه فيما فهمه عالم دون آخر، وأن ينسخ غيره كلامه إذ لا ناسخ لكلامه صلى الله عليه وسلم إلا هو كقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" وكقوله: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا" و "كنت نهيتكم عن الانتباذ في الحنتم والنقير فانتبذوا"، غير أن لا تشربوا مسكراً" ونحو ذلك، واعترافاً أيضاً مني بالعجز عن فهم كلامه صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق بمقام صاحبه إذ هو الأفصح الواسع لكونه أعطي جوامع الكلم مع البيان، فكيف يفسر بكلام غيره المغلق الضيق، وكيف يذهب أحد إلى نسخ كلامه صلى الله عليه وسلم من غير وحي إلهي ولا سيما إن كان ذلك الحديث أخذ به إمام من أئمة الدين وتبعه عليه المقلدون له، فإن ذلك سوء أدب مع الشارع صلى الله عليه وسلم ومع ذلك الإمام الذي أخذ به، وقول بعضهم: آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعمول به، أنه هو الناسخ المحكم أكثري لا كلي لأنه لو كان كلياً لحكمنا بنسخ أحد الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو مسحه رأسه كله في الوضوء من لمس المرأة أو الذكر أو عدم الوضوء من ذلك لأنه لا بد أن يكون قد انتهى آخر أمره إلى واحد دون الآخر وإذا نسخنا الأول حكمنا ببطلان صلاة صاحبه وقس على ذلك، وبالجملة فمن نور الله تعالى قلبه رأى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أوضح من كلام فسره به جمع من الصحابة والتابعين والأئمة [1/ 9] المجتهدين والخلق أجمعين ورآه يسع جميع أفهامهم ومن لم ينور الله تعالى قلبه فهو كالخفاش لا ينظر إلا في الظلام وينكر أن أحداً ينظر في نور الشمس وذلك دليل على ضعف بصره وبعده عن حضرة أهل النور وكذلك يقال لمن توقف في فهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يفسر لهم بكلام غيره إن ذلك دليل على بعدك عن حضرة وجيه صلى الله عليه وسلم وعدم دخولك لها لمحبة الدنيا وأدناسها وشهواتها فلا يفهم كلام الشارع إلا من تساوى عنده الذهب والتراب في عدم ميل القلب إلى جمعه وفي عدم فرحه به، وقد كان سيدي علي بن سيدي محمد وفا رضي الله عنهما ينشد في هذا المعنى الذي ذكرناه من ظلمة الباطن المانعة من فهم كلامه صلى الله عليه وسلم:

إذا ما قال للخفاش قوم * بنور الشمس يبصر ما يكون

فليس مصدقاً هذا ولكن * يكذب أو يقول بهم جنون

وإن تعجب فممن يسألوه * أنور الشمس تقبله الجفون

وأعجب منهم من قلدوه * وقالوا بالظلام ترى العيون

فلهذين المعنيين اللذين لم أصل إليهما وهما ترك التأويل والنسخ بالتاريخ جعلت باب الفهم مفتوحاً لكل سامع وناظر من كمل العارفين والخلق أجمعين فيفهم كل واحد على قدر ما وفر بحسب جلاء مرآة قلبه وصداها ويدين الله تعالى بما فهم، وإنما ذكرت هدى أصحابه صلى الله عليه وسلم مع هديه وإن كان في هديه كفاية عن هدي غيره عند كل من نور الله تعالى قلبه إشارة إلى عدم النسخ لذلك الحديث فلو نسخ لما عمل به الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم واستئناساً للعاملين والمجتهدين وعملاً بنحو قوله صلى الله عليه وسلم: "إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وتمسكوا بهدي عمار وما حدثكم به ابن مسعود فصدقوه" وبقوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وبقوله صلى الله عليه وسلم: "أقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضكم زيد" وبقوله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وبقول علي رضي الله عنه وكذلك عمر بن عبد العزيز إلا أن ما سنه أبو بكر وعمر فهو دين نأخذ به وندعو إليه وغير ذلك من الأحاديث والآثار فقد علمت بهذه الأحاديث الأمر بالعمل بهدي أصحابه صلى الله عليه وسلم كلهم وتقديمه على كلام غيرهم من التابعين ومن بعدهم لورود الاقتداء بهم على التعيين والتصريح دون غيرهم، ورتبت الكتاب على ترتيب كتب الفقه ليسهل الاطلاع عليه والكشف منه على غالب الناس لكثرة تداول كتب الفقه فيما بينهم، بخلاف كتب المحدثين، وصدرته بميزان لم أسبق إليها فيما علمت تقرر جميع أدلة الشريعة وما انبنى عليها من أقوال المجتهدين ومقلديهم إلى يوم الدين، وتجعلهم كلهم في فلك الشريعة يسبحون. (وختمت) ربع العبادات بباب جامع لفضائل الذكر بجميع أنواعه مطلقاً ومقيداً، وما جاء في فضل الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وختمت) باب الجهاد بخاتمة [1/ 10] لخصت فيها سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولادته إلى وفاته. (وختمت) أبواب فقه الكتاب بباب جامع لجملة من أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وبالجملة من هديه في أنواع مخصوصة كأكله ولبسه وصفته وإن كان ذلك مفرقاً في أبواب الكتاب، وأتبعت هذه الأخلاق بذكر ما جاء في عقوق الوالدين وما جاء في صلة الرحم وستر عورات المسلمين وحقوق الجيران وقضاء الحوائج، وما جاء في الشفقة على خلق الله تعالى من إنسان وحيوان، وما جاء في الإصلاح بين الناس، وقبول معاذيرهم وزيارة الإخوان والصالحين، وإكرام الزائر وما جاء في الاستئذان والسلام وطلاقة الوجه وطيب الكلام، والمصافحة وأدب المجالس، وما جاء في الاحترام والتوقير للأكابر من الناس، وما جاء في العطاس والتثاؤب، وما جاء في الشفاعة والتحابب، والتوادد، والتعاضد، والتساعد، وعيادة المرضى، وما جاء في ذم التهاجر والتشاحن والتقاطع والتدابر، وما جاء في الإنفاق في وجوه الخير، وفي إطعام الطعام وسقي الماء وشكر المعروف، وما جاء في تحريم احتقار الناس، وفي فضل سلامة الصدر وترك الحسد، وفي استحباب إماطة الأذى عن الطريق، وما جاء في فضل الفقراء والمستضعفين وحبهم ومجالستهم وما جاء في الزهد في الدنيا وقصر الأمل وذكر الموت وأحوال الموتى وعذاب البرزخ ونعيمه، وما جاء في النشر والحشر والحساب والميزان والصراط وغير ذلك من مواقف القيامة وعدتها خمسون موقفاً كل موقف للعاصي ألف سنة.

وما جاء في صفة الجنة والنار وذبح الموت بينهما حتى ينادي المنادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت فأكرم به من كتاب احتوى على مقاصد الشريعة كلها مع عذوبة لفظه وحلاوته، وكيف لا يكون ذلك وهو كلام سيد المرسلين، ومن نظر فيه علم يقيناً أن الشريعة لا تضييق فيها ولا حرج على أحد من المسلمين ولزم الأدب مع الله ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشفق على الأمة المحمدية ولم يأمر أحد بشيء لم تصرح به الشريعة المطهرة إلا أن أجمع عليه فإن في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: "اللهم من شق على أمتي فاشقق اللهم عليه" ولا أحد أشق على الأمة من فقيه يحجر عليهم ويحكم ببطلان عباداتهم ومعاملاتهم وتطليق نسائهم وسفك دمائهم ويحكم بكفرهم بأمور ولدها بعقله ورأيه ولم يأت بها صريحاً كتاب ولا سنة حتى تضيق الدنيا على العامي منهم فمن فعل ذلك منهم فقد دخل في دعائه صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى يشق عليه، نسأل الله العافية (وسميته) بإشارة بعض الفقراء الصادقين بـ (كشف الغمة عن جميع الأمة) جعله الله خالصاً لوجهه الكريم ونفع به مؤلفه وكاتبه وسامعه والناظر فيه إنه سميع مجيب، وقد بشرني الهاتف عليه السلام ببقاء هذا الكتاب إلى خروج المهدي عليه السلام لينتفع به أصحابه ويستغنون به عن مراجعة المهدي عليه السلام في أكثر الأمور الدينية، فإنه عليه السلام إذا خرج يرفع الخلاف والآراء في الأرض فلا يبقى في أيامه إلا الدين الخالص ويعاديه سراً مقلدة العلماء الموجودون في زمنه حين يرونه يذهب إلى خلاف ما ذهب إليه أئمتهم لاعتقادهم أن الله [1/ 11] تعالى لا يوجد بعد أئمتهم أحداً يعلوهم في العلم ولكنهم يدخلون تحت طاعته خوفاً من سطوته ورغبة فيما لديه من المال فإنه هو والسيف أخوان فلا ينازعه أحد إلا خذل. وفي الحديث أنه يقفو عليه السلام أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطئ فلا يحكم في تحليل أو تحريم إلا بما كان يحكم به صلى الله عليه وسلم لو كان حياً، وآخر المذاهب انقراضاً من الأرض مذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه ومن هذا الذي قلناه يعلم كل منصف صحة ما جنحنا إليه في تأليف هذا الكتاب وأنه لو كان حكم ما استنبطه المجتهدون حكم جميع صريح السنة في وجوب العمل به على الأمة ما أبطله المهدي عليه السلام إذا خرج، فتأمل، فكل طريق لم يمش فيه الشارع صلى الله عليه وسلم فهو ظلام ولا يكون أحد ممن مشى فيه على يقين من السلامة وعدم العطب لأنه صلى الله عليه وسلم هو الإمام وهو النور المأموم إذا خرج من اتباع إمامه وتعدى ما حده له مشي في ظلام بقدر بعده عن شعاع نور إمامه، ولهذا نجد كلام أئمة المذاهب كلهم نوراً صرفاً لا إشكال فيه لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف كلام غيرهم، ولهذا المعنى أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: "رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها" يعني حرفاً بحرف من غير زيادة على ما شرعته أو نقص عنه، فسد صلى الله عليه وسلم باب الابتداع والزيادة على التشريع وأمر بالوقوف عند ما شرعه هو صلى الله عليه وسلم، فما فاز بهذه الدعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومارس علمه حقيقة إلا طائفة المحدثين الذين اعتنوا بضبط أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقواله ويروون أحاديثه بالسند، وأما غيرهم فليس له من الدعاء بالرحمة المذكورة نصيب وليس له من إرث علم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بقدر ما علم من السنة الصريحة لا من الاستنباط والرأي وقد بلغنا أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كان يقول ضعيف الحديث أحب إليَّ من رأي الرجال، وكذلك بلغنا عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وكان الإمام أبو داود رضي الله عنه يقول: أن الإمام أحمد مكث عمره كله لا يأكل البطيخ، فقيل له في ذلك، فقال: لم يبلغني كيف كان صلى الله عليه وسلم يأكله، وقيل له مرة: لم لا تضع لأصحابك كتاباً في الفقه؟. فقال: أو لأحد كلام مع كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد سمعت مرة هاتفاً يقول لي أتعرف معنى قوله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} فقلت: الله أعلم، فقال: يتبرأ كل نبي يوم القيامة ممن شق على أمته وأمرهم بفعل شيء لم تأت به شريعته ويتبرأ كل مجتهد ممن ولد بعقله وفهمه أموراً لم يصرح هو بها ثم أضافها إلى مذهبه اهـ. فكل من ولد بعقله حكماً يود يوم القيامة أنه لم يكن ولده حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه يقال لمن زاد على أحكام صريح الشريعة من طريق الاستنباط شيئاً يشق على الناس: ماذا أردت بذلك؟.

فلا يسعه إلا أن يقول: ما أردت إلا القربة إلى الله عز وجل، فيقال له: القربة خاصة بقدم الاتباع لا الابتداع على أنه لا يعان عبد على العمل بما زاد على صريح السنة لأن الله تعالى لم يتكفل بالمعونة إلا لمن هو تحت أمره الذي شرعه صريحاً على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأمل يا أخي ما ذكرته لك في جميع هذه الخطبة ووسع على الأمة كما وسع عليهم نبيهم صلى الله عليه وسلم، واعتقد أن الإنسان لو [1/ 12] ترك العمل بكل ما لم تصرح به الشريعة المطهرة فلا حرج عليه ولا لوم في الدنيا والآخرة إلا أن تجمع عليه الأمة، فحينئذ يحرم خرقه فهو ملحق في وجوب العمل بما صرحت به الشريعة قال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} نسأل الله العافية والعفو عن زلاتنا وسوء خطراتنا وما انطوت عليه ضمائرنا إنه غفور رحيم (ولنشرع) في ذكر الميزان التي وعدنا بذكرها فنقول وبالله التوفيق (بيان) ميزان نفيسة يشرف الإنسان بها على تقرير جميع أدلة الشريعة وما انبنى عليها من أقوال المجتهدين إلى يوم الدين وذلك أن تعلم يا أخي أن الشريعة المطهرة جاءت عامة وليس مذهب أولى بها من مذهب، فمن ادعى تخصيصها بما ذهب إليه إمامه من المقلدين فقد أتى باباً من الكبائر، وخطأ الأئمة أو ضعف أدلتهم بالرد تارة وبالقول بالنسخ تارة وبجرح الرواة لها تارة نسأل الله العافية ولا تخرج يا أخي من هذه الورطة إلا أن تقول بصحة كل حديث أو أثر استدل به إمام من الأئمة لمذهبه كائناً ذلك الإمام من كان، فإن لولا أنه صح عنده ما استدل به وكفانا صحة لذلك الحديث أو الأثر استدلال مجتهد به ولا يقدح فيه تجريح غيره من المحدثين والمجتهدين من طريق روايتهم، فإذا تقرر عندك أدلة الشريعة كلها على هذا الطريق ثم خفت تعارضها فارجعها كلها إلى مرتبتين عزيمة ورخصة يرتفع التعارض والخلاف عندك من الشريعة إن شاء الله تعالى، لأن الشريعة لا تخرج عن هاتين المرتبتين أبداً لأن الحديث إما أن يكون الحكم المحتوى عليه مائلاً إلى العزيمة والاحتياط وإما أن يكون مائلاً إلى الرخصة والتخفيف عن ضعفاء الأمة، ولكل من المرتبتين رجال في حال مباشرة الأعمال، فمن قوي منهم خوطب بالتشديد وحكم عليه به في الحقوق ونحوها، ومن ضعف منهم خوطب بالرخصة فلا يكلف الضعيف بالصعود لمرتبة الأقوياء ولا يؤمر القوي بالنزول لمرتبة الضعفاء سواء كان ذلك المأمور به مندوباً [أو] واجباً. ويوضح لك ذلك في أقوال المذاهب أن تجعل كل ما شرطه مجتهد بطريق الاستنباط في مرتبة الأولوية والاحتياط وتجعل مقابله من كلام المجتهد الآخر في مرتبة خلاف الأولى لا غير، مع القول بصحة القولين وموافقتهما للشريعة، وذلك كاشتراط النية في الطهارة، واشتراط الطهارة بالماء الذي لم يستعمل، ووجوب التسمية على الوضوء، ووجوب المضمضة والاستنشاق، ووجوب الترتيب والموالاة، وكنقض الوضوء بلمس المرأة ولو محرماً، وبمس الذكر، وبخروج الدم، وبالقيء والقهقهة، وكقراءة الفاتحة بخصوصها في الصلاة دون غيرها، ووجوب الاعتدال والسجود على السبعة أعضاء وغير ذلك من سائر الأبواب، فامتحن بهذا الميزان جميع الآيات والأخبار والآثار وما انبنى على ذلك من أقوال المجتهدين والمقلدين لهم إلى يوم الدين في سائر أبواب العبادات والمعاملات والمناكحات والحدود والجنايات والدعوى والبينات تجد كل دليل أو قول لا يخرج عن هاتين المرتبتين كما مر، فما دخل الخلاف والنزاع بين أهل المذاهب ومقلديهم إلا في [1/ 13] شهودهم أن الشريعة إنما جاءت على مرتبة واحدة، وأن المصيب واحد في نفس الأمر من أصحاب تلك الأدلة أو الأقوال والباقي مخطئ، وربما استدلوا على وقوع الخطأ بحديث من اجتهد وأخطأ فله أجر وهو لا يصلح دليلاً لأن المراد أخطأ الحديث الوارد عني بعد التتبع فلم يجده لا أنه أخطأ في عين الفهم، إذ لو صح خطؤه في عين الفهم لخرج عن الشريعة، وإذا خرج فلا أجر فافهم فالحق الذي نعتقده أن الشريعة جاءت على مرتبتين كما قررنا ولو كانت جاءت على مرتبة واحدة إما تخفيف فقط أو تشديد فقط لكانت عذاباً في قسم التشديد ولم يظهر للدين شعار في قسم التخفيف والتسهيل. (وقد جاءت) بحمد الله رحمة للخلق وإظهاراً لشعار الدين فأهل كل مذهب ناظرون بعين واحدة لأنه إن كان إمامهم أخذ برخصة وردت أو استنبطت أخذوا بها وجعلوها مذهباً وطلبوا من جميع الخلق التدين بها دون غيرها، وإن كان إمامهم أخذ بعزيمة أخذوا بها وجعلوها مذهباً له كذلك وطلبوا من الخلق كلهم التدين بها ومصداق ذلك أنهم يقولون للسائل كثيراً خلاصك ليس في مذهبنا، ولو اطلعوا على صحة المرتبتين المذكورتين لأفتوا بما ناسب حاله من رخصة أو عزيمة لأنه لا يخرج عن كونه من أهل واحدة منهما.

(ومن أراد) أن يعرف مقدار هذا الميزان ومرتبة التحقق بمعرفته فليجمع له أربعة من علماء الشريعة كل واحد من مذهب ويقرأ عليهم أدلة جميع مذاهبهم وأقوال علمائهم وينظر كيف يتجادلون في صحة الأدلة وما انبنى عليها ويرجح كل واحد مذهبه وأدلته ويضعف مذهب غيره وتعلو أصواتهم على بعضهم بعضاً حتى كأنهم ملتان مختلفتان، وأما المتحقق بمعرفة هذا الميزان فهو جالس كالسلطان حاكم رتبتيه على كل مذهب من مذاهبهم فإنهم كلهم داخلون تحت ميزانه ومتفرعون من باطن علمه وإنما قلنا أربعة نفر كل واحد من مذهب لتنظر ما يفعل كل واحد عند تضعيف دليل إمامه فمن قرأ الأدلة على ما دون الأربعة لم يظهر له نفاسة هذا الميزان لأن أدلة مذهب الغائب يردها الحاضرون ويضعفونها ولا أحد منهم يجيب عنها، ولو كان هو حاضراً لرد عليهم أشد الرد بل كذبهم وشتمهم، فمن دخل لفهم الشريعة من باب هذا الميزان ارتفع الخلاف عنده من الشريعة جملة ورأى جميع علماء الشريعة في بحرها يسبحون لاستمدادهم كلهم من عين الشريعة، وقرر جميع أدلة المجتهدين وأقوالهم ولم يجد شيئاً من أدلتهم ولا أقوالهم خارجاً عن الشريعة المطهرة، وعلم أن مجموع المذاهب هي بعينها الشريعة، ومن لم يدخل لفهم الشريعة من هذا الباب نقص علمه بالشريعة وفاته خير كثير لأن كل حديث لم يأخذ به إمامه يترك العمل به والمذهب الواحد بلا شك لا يحتوي على كل أحاديث الشريعة إلا إن قال صاحبه إذا صح الحديث فهو مذهبي فيدخل في مذهبه كل حديث استدل به مجتهد من المجتهدين. وقد ثبت عن الشافعي ذلك، فجميع المذاهب على هذا مذهب للشافعي على كل من سلم من التعصب في الدين فإحسان الظن بجميع الرواة لأدلة المذاهب واجب على كل من استبرأ لدينه وعرضه إذ بذلك يسلم المسلمون [1/ 14] من لسانه ويرضى عند الله ورسوله ويرضى عنه جميع المجتهدين ويتبسمون في وجهه إذا رأوه يوم القيامة لكونه قرر مذاهبهم كلها وجعلها هي عين الشريعة، وهذا مشرب ما رأيته لأحد من العلماء لوقتي هذا أبداً، فالحمد لله الذي ألهمنا لاتباع الشريعة ونور قلوبنا بنور المعرفة لا بعمل عملناه ولا بخير قدمناه بل سابق عناية من الله لنا على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخبرني الهاتف عليه السلام أن هذا الميزان لم يظفر به أحد من التابعين ولا أحد من الأئمة المجتهدين بدليل ما نقل من التابعين من الخلاف وما نصبه المجتهدون بينهم من المناظرات وردهم لأقوال بعضهم بعضاً بالحجج التي قامت عندهم، ولو علموا هذا الميزان لم يقع بينهم خلاف لحمل كل واحد منهم كلام صاحبه على مرتبة من إحدى مرتبتي الشريعة، فالحمد لله رب العالمين. [1/ 15]

------

(2) هو أبو علي المصيصي المحتسب صاحب التفسير مات سنة 220 هـ.

------