كشف الغمة عن جميع الأمة، للشعرانيالجزء الأول › كتاب الطهارة وأحكام المياه

ابحث في الصفحة

كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما منزلة الطهور من الإيمان؟. فقال: "هو شرط الإيمان". وجاء رجل آخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء البحر؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "من لم يطهره البحر فلا طهره الله عز وجل". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل ويتوضأ من الماء العذب والمالح وماء السماء. وقال سعد بن أبي وقاص: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لأدلك ظهره وأغسله في ماء من السماء. وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد". وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطهرون بالماء المسخن بالنار ويكرهون التطهر بالماء المشمس. وكان عمر يقول: لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص. وكانوا يتطهرون من ماء البئر. قال أنس رضي الله عنه: وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنه يستقي لك من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيها لحوم الكلاب وخرق الحيض وعذر الناس والنتن؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور لا ينجسه شيء". وزاد في رواية أخرى: إلا ما غلب على طعمه ولونه وريحه. قال قتيبة بن سعيد رضي الله عنه: وسألت قيم بئر بضاعة عن عمقها، فقال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، قلت: فإذا نقص، قال: دون العورة، وكان عرضها ستة أذرع. وكان صلى الله عليه وسلم يعاف الماء إذا أنتن من غير قذر يخالطه. قال علي رضي الله عنه: ولما رمي النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أحد وشج وجهه أتيته بماء في درقتي من المهراس، فلما أراد أن يشرب منه وجد له ريحاً فلم يشرب منه ولكن غسل عن وجهه الدم وصب منه على رأسه. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون في الفلاة من الأرض فترده الدواب والسباع، فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث". وفي رواية: لم ينجس. وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للسائل: "لا تسأل عن مثل هذا فإنه تكلف". وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: إذا كان الماء قدر أربعين دلواً لم ينجسه شيء. وتوضأ عمر رضي الله عنه مرة من حوض فقيل له: إن الكلب ولغ فيه آنفاً، فقال: إنما ولغ بلسانه فاشربوا منه وتوضؤوا. وتوضأ رضي الله عنه مرة أخرى من جلد لم يدبغ وقال: إن الله تعالى جعل الماء طهوراً وتوضأ كثيراً من أواني النصارى. وكان عطاء رضي الله عنه لا يرى بأساً بالطهارة من سؤر الكلاب. وكان الزهري يقول: إذا ولغ الكلب في [1/ 40] إناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به. قال سفيان: وهذا هو الفقه بعينه لقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} (المائدة: 6) وهذا ماء. وفي رواية عن الزهري: ويتيمم مع وضوئه بسؤر الكلب. قال البخاري: وفي النفس من قوله ويتيمم شيء. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ من الإناء الذي شربت منه الهرة ثم يرش ما بقي. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يبولن أحدكم في الماء الذي لا يجري ثم يغتسل فيه أو يتوضأ منه". وفي رواية: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب، فقالوا: كيف نفعل يا أبا هريرة، قال: يتناوله تناولاً، وكان صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن سؤر السباع في الحوض أو مستنقع الجبل يقول: "لها ما أخذت في بطونها وما بقي فهو لنا طهور وشراب". وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما ينهى الرجل أن يتوضأ بفضل طهور المرأة، وينهى المرأة أن تتوضأ بفضل طهور الرجل، ويقول: "ليغترفا جميعاً". ثم رخص فيه بعد ذلك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها أو يغتسل فقالت: إني كنت جنباً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الماء لا يجنب". وكان ابن عمر يقول: لا بأس أن يغتسل الرجل بفضل طهور المرأة ما لم تكن حائضاً أو جنباً. وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد تختلف أيدينا فيه من الجنابة، وكنت أقول دع لي دع لي، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "دعي لي". وفي رواية: كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من قدح يقال له الفرق. قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع. وفي رواية: من تور مثل الصاع أو دونه فنشرع فيه جميعاً فأفيض على رأسي ثلاث مرات بيدي وما أنقض لي شعراً. واغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة من إناء واحد من قصعة فيها أثر العجين. وكان الصحابة يدخلون يدهم في الإناء قبل غسلها وهم جنب ما لم يكن عليها قذر، وكان ابن عمر وابن عباس لا يريان بأساً بما ينتضح من غسل الجنابة.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: كان الرجال والنساء يتوضؤون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ومن ميضأة واحدة، فلما كان عمر نهى النساء عن الاختلاط بالرجال وأمر أن يجعل لهن حوض على حدتهن. وكان صلى الله عليه وسلم إذا دعا مريضاً ووجده مغمى عليه توضأ وصب عليه من ماء وضوئه. وكان صلى الله عليه وسلم يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين. وكان صلى الله عليه وسلم إذا توضأ ازدحم المسلمون على وضوئه يتمسحون بالماء الذي يسقط من أعضائه صلى الله عليه وسلم ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه، وكان الصحابة لا يرون التطهر بما عدا الماء من سائر المائعات عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإنه خير". وكان جرير بن عبد الله يأمر أهله أن يتوضؤوا بفضل سواكه. وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يغسل يديه ورجليه في القدح ثم يقول لأصحابه: "اشربوا منه وأفرغوا على وجوهكم". وكان ابن مسعود يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ما في إدواتك أو ركوتك؟. قلت: نبيذ. قال: ثمرة طيبة وماء طهور فتوضأ منه. وحمل هذا العلماء على غير المتغير بقرينة قوله: "وماء طهور" وبقرينة قوله في الحديث المتقدم: "إلا ما غلب [1/ 41] على طعمه ولونه وريحه". فإن الماء إذا خرج عن طبعه واسمه خرج عن اسم الماء، وبالجملة فضابط الباب أن كل ما يقذر استعماله البدن لا ينبغي التطهر به لانتفاء النظافة التي هي المقصود والله أعلم.