خرج عبد المطلب بعبد اللّه يريد تزويجه حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة وهو يومئذ سيد بني زهرة سنا وشرفا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب(18) وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا فحملت برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فانتقل النور منه إليها، ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه نفسها فقال لها: مالك لا تعرضين عليَّ اليوم ما كنت عرضت عليَّ بالأمس؟ فقالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس فليس لي بك اليوم حاجة(19). وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل –وكان قد تنصر واتبع الكتب- أنه كائن لهذه الأمة نبيّ. وكان تزويج عبد اللّه من آمنة بعد حفر زمزم بعشر سنين، وكان اسم عبد اللّه عبد الدار، فلما كان في السنة التي فدي فيها قال عبد المطلب: "هذا عبد اللّه" فسماه يومئذ كذلك.
وبعد زواج عبد اللّه بقليل خرج من مكة قاصدا الشام في تجارة، ثم لما أقبل من الشام نزل بالمدينة وهو مريض وبها أخواله من بني النجار فأقام عندهم شهرا وهو مريض وتوفي لشهرين من الحمل بابنه محمد صلى اللّه عليه وسلم ودفن في دار النابغة الجعدي(20) في الدار الصغرى إذا دخلت الدار على يسارك في البيت وله خمس وعشرون سنة، وهذا هو المشهور. وقيل ثمان وعشرون سنة. وترك عبد اللّه جاريته أم أيمن بركة الحبشية وخمسة جمال وقطعة من غنم. وقد رثته آمنة بهذه الأبيات:
عفا جانب البطحاء من آل هاشم * وجاور لحدا خارجا في الغماغم
دعته المنايا دعوة فأجابها * وما تركت في الناس مثلَ ابن هاشم
عشية راحوا يحملون سريره * تعاوره أصحابه في التزاحم
فإن تك غالته المنون وريبها * فقد كان معطاء كثير التراحم
إن آمنة وعبد اللّه لم يلدا غير رسول اللّه ولم يتزوج عبد اللّه غير آمنة، ولم تتزوج آمنة غيره.
------
(18)تجتمع آمنة هي وعبد اللّه في كلاب.
(19)إن عرض عبد اللّه نفسه على المرأة لم يكن لربية بل ليستبين الأمر الذي دعاها إلى بذل القدر الكثير من الإبل في مقابلة هذا الشيء على خلاف عادة النساء مع الرجال.
(20)هو رجل من بني عدي بن النجار
------