لما قربت أيام الوحي حبب إليه صلى اللّه عليه وسلم الخلوة فكان يختلي في غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها، وكانت عبادته على دين إبراهيم عليه السلام، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وكانت تلك الرؤيا الصادقة مقدمات الوحي. قيل: مدتها ستة أشهر.
فلما تم له أربعون سنة جاءه جبريل بالنبوة وذلك في يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان للسنة الحادية والأربعين من ميلاده، فيكون عمره إذ ذاك أربعين سنة قمرية وستة أشهر وثمانية أيام، وذلك يوافق 6 أغسطس سنة 610 م وهو بغار حراء.
جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم(110) فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح(111) ثم حبب إليه الخلاء(112) وكان يخلو بغار حراء(113) فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع(114) إلى أهله ويتزود لذلك(115) ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق(116) وهو في غار حراء فجاءه الملك(117) فقال له: اقرأ، فقال له: ما أنا بقارئ(118) قال: فأخذني فغطني(119) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ فغطني الثالثة(120) ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم} فرجع بها(121) رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني(122) فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي(123).فقالت خديجة: كلا واللّه ما يخزيك اللّه أبدا(124) إنك لتصل الرحم(125) وتحمل الكلَّ(126) وتكسب المعدوم(127) وتُقْرِي الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني. فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّه أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك(128) فقال لي ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس(129) الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها(130) جذعا(131) ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك(132) فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أومخرجي هم؟ قال: نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا(133) ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي(134). أول ما نزل عليه صلى اللّه عليه وسلم من القرآن: {اقرأ} كما صح ذلك عن عائشة وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير. قال النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف.
------
(110)إن عائشة لم تدرك هذه القصة لكن الظاهر أنها سمعت ذلك منه صلى اللّه عليه وسلم لقولها قال فأخذني فغطني. وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر وحينئذ يكون ابتداء النبوة بالرؤيا حصل في شهر ربيع وهو شهر مولده.
(111)كضياء الصبح.
(112)بمعنى الخلوة أي الاختلاء.
(113)حراء جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى، والغار ثقب فيه وهو أول موضع نزل فيه القرآن.
(114)يحن ويشتاق ويرجع.
(115)يتخذ الزاد للخلوة أو التعبد.
(116)هو الوحي.
(117)جاءه الوحي يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان.
(118)ما نافية، وفي رواية كيف أقرأ أو ماذا أقرأ فتكون ما استفهامية.
(119)ضمني وعصرني.
(120)ذكر السهيلي أن الغط ثلاثا إشارة إلى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم يحصل له شدائد ثلاث ثم يحصل له الفرج بعد ذلك فكانت الأولى إدخال قريش له صلى اللّه عليه وسلم في الشعب والتضييق عليه والثانية اتفاقهم على قتلهم صلى اللّه عليه وسلم والثالثة خروجه من أحب البلاد إليه.
(121)أي بالآيات.
(122)أي لففوني لشدة ما لحقه من هول الأمر. والعادة جارية بكون الرعدة بالتلفف.
(123)الموت أو المرض لشدة الرعب.
(124)أي ما يفضحك اللّه.
(125)القرابة.
(126)وهو الذي لا يستقل بأمره.
(127)أي تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك.
(128)تعني النبي صلى اللّه عليه وسلم لأن الأب الثالث لورقة هو الأخ للأب الرابع لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. أو قالته على سبيل الاحترام.
(129)صاحب السر الوحي والمراد به جبريل عليه الصلاة والسلام. وأهل الكتاب يسمونه الناموس الأكبر.
(130)أي في مدة النبوة.
(131)أي يا ليتني شابا عند ظهور نبوتك حتى أقوى على المبالغة في نصرتك. والجذع هو الصغير من البهائم، واستعير للإنسان.
(132)من مكة.
(133)أي بالغا شديدا وهذا ظاهر في أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام فيكون مثل بحيرا، ودفن بمكة.
(134)أي احتبس ثلاث سنين.
------