اعلم أن المحبين قد تلوح لهم بوارق المحبة من طور التجلي فيهيمون عند مشاهدتها في مقام الحيرة وينطقون عن حالاتهم مترجمين عن أطوارهم الموضحة لأسرارهم فلذلك قال رحمه الله هل نار ليلى بدت بذي سلم ونار ليلى عبارة عن نار حبها لأن لكل حي من أحياء العرب ناراً يوقدونها إما للقرى وإما لأمر آخر ومن عادة العارفين أنهم يكنون بليلى وسلمى ولبنى وعلوى عن مراداتهم وبدت بمعنى ظهرت وليلاً منصوب على الظرفية والعامل فيه بدت وذي سلم موضع معروف فيه شجر السلم والواحدة سلمة والباء بمعنى في والبارق سحاب ذو برق ولاح ظهر أيضاً والزوراء
ص 50
لقب بغداد دار السلام وتطلق على أماكن متعددة منها موضع بالمدينة قرب المسجد وهو المراد هنا والعلم مكان هناك معروف (الإعراب) هل حرف استفهام ونار مبتدأ وهو مضاف إلى ليلى وبدت فعل ماض وعلامة تأنيث وفاعله ضمير يعود إلى نار ليلى وليلاً منصوب على الظرفية والباء في بذي سلم ظرفية بمعنى في أي ظهرت نار ليلى في الليل في المكان المشهور المعروف والجملة خبر وأم حرف استفهام وعطف وبارق معطوف على نار ليلى والتقدير هل ما رأيته وظهر لعيني نار ليلى ظهرت من ذي سلم أم هو بارق ظهر في الزوراء والعلم وهذا من باب تجاهل العارف كان الدهشة أدركته فهو لا يدري ما هو فلذلك يسأل عنه وفي البيت الجناس التام بين ليلى وليلاً وتجاهل العارف قال في المفتاح ومنه سوق المعلوم مساق غيره ولا أحب تسميته بالتجاهل (ن) كنى بنار ليلى عن ظهور الوجود الحق على صور التقادير العلمية إذا توجهت بتلك التقادير الإرادة الإزلية قال تعالى {وهل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي أتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدّس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} وقوله بدت ليلاً أي في ظلمة الليل وهو عالم الأكوان فانكشفت به ظلمة الإمكان وقوله بذي سلم كناية عن القلب السالم السليم الذي ينفع صاحبه إذا أتى الله به كما قال تعالى {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} وقوله أم بارق كناية عن القطب فإنه سحاب على شمس الأحدية وبرق روحاني وقوله بالزوراء الإشارة هنا بالزوراء إلى بغداد من الزور بالتحريك وهو الميل وبغداد مسكن القطب وقوله فالعلم يكني بالعلم عن الفرد الجامع الخارج عن حكم القطب وعن دائرته فلا يكاد يعلم به اهـ.