ومن السورة التي تذكر فيها البقرة وهي كلها مدنية ويقال مكية أيضا آياتها مائتان وثمانون وكلامها ثلاثة آلاف ومائة وحروفها خمس وعشرون ألفا وخمسمائة بسم الله الرحمن الرحيم وباسناده عن عبد الله بن المبارك قال حدثنا علي بن إسحق السمرقندي عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى ( الم ) يقول ألف الله لام جبريل ميم محمد ويقال ألف آلاؤه لام لطفه ميم ملكه ويقال ألف ابتداء اسمه الله لام ابتداء اسمه لطيف ميم ابتداء اسمه مجيد ويقال أنا الله أعلم ويقال قسم أقسم به ( ذلك الكتاب ) أي هذا الكتاب الذي يقرؤه عليكم محمد صلى الله عليه وسلم ( لا ريب فيه ) لا شك فيه أنه من عندي فان آمنتم به هديتكم وإن لم تؤمنوا به عذبتكم ويقال ذلك الكتاب يعني اللوح المحفوظ ويقال ذلك الكتاب الذي وعدتك يوم الميثاق به أن أوحيه إليك ويقال ذلك الكتاب يعني التوراة أو الإنجيل لا ريب فيه لا شك فيه أن فيهما صفة محمد ونعته ( هدى للمتقين ) يعني القرآن بيان للمتقين الكفر والشرك والفواحش ويقال كرامة للمؤمنين ويقال رحمة للمتقين لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ( الذين يؤمنون بالغيب ) بما غاب عنهم من الجنة والنار والصراط والميزان والبعث والحساب وغير ذلك ويقال الذين يؤمنون بالغيب بما أنزل من القرآن وبما لم ينزل ويقال الغيب هو الله ( ويقيمون الصلاة ) يتمون الصلوات الخمس بوضوئها وركوعها وسجودها وما يجب فيها من مواقيتها ( ومما رزقناهم ينفقون ) ومما أعطيناهم من الأموال يتصدقون ويقال يؤدون زكاة أموالهم وهو أبو بكر الصديق واصحابه ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك ) من القرآن ( وما أنزل من قبلك ) على سائر الأنبياء من الكتب ( وبالآخرة هم يوقنون ) وبالبعث بعد الموت ونعيم الجنة هم يصدقون وهو عبد الله بن سلام وأصحابه
( أولئك ) أهل هذه الصفة ( على هدى من ربهم ) على كرامة ورحمة وبيان نزل من ربهم ( وأولئك هم المفلحون ) الناجون من السخط والعذاب ويقال اولئك الذين أدركوا ووجدوا ما طلبوا ونجوا من شر مامنه هربوا وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ( إن الذين كفروا ) وثبتوا على الكفر ( سواء عليهم ) العظة ( أأنذرتهم ) خوفتهم بالقرآن ( أم لم تنذرهم ) لم تخوفهم لا يؤمنون لا يريدون أن يؤمنوا ويقال ( لا يؤمنون ) في علم الله ( ختم الله على قلوبهم ) طبع الله على قلوبهم ( وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ) غطاء ( ولهم عذاب عظيم ) شديد في الآخرة وهم اليهود كعب بن الأشرف وحي ابن أخطب وجدي بن أخطب ويقال هم مشركو أهل مكة عتبة وشيبة والوليد ( ومن الناس من يقول آمنا بالله ) في السر وصدقنا بإيماننا بالله ( وباليوم الآخر ) وبالبعث بعد الموت الذي فيه جزاء الأعمال ( وما هم بمؤمنين ) في السر ولا مصدقين في إيمانهم ( يخادعون الله ) يخالفون الله ويكذبونه في السر ويقال اجترعوا على الله حتى ظنوا أنهم يخادعون الله ( والذين آمنوا ) أبا بكر وسائر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ( وما يخدعون ) يكذبون ( إلا أنفسهم وما يشعرون ) وما يعلمون أن الله يطلع نبيه على سر قلوبهم ( في قلوبهم مرض ) شك ونفاق وخلاف وظلمة ( فزادهم الله مرضا ) شكا ونفاقا وحلافا وظلمة ( ولهم عذاب أليم ) وجيع في لآخر يخلص وجعه إلى قلوبهم ( بما كانوا يكذبون ) في السر وهم المنافقون عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير ( وإذا قيل لهم ) يعني اليهود ( لا تفسدوا في الأرض ) بتعويق الناس عن دين محمد صلى الله عليه وسلم ( قالوا إنما نحن مصلحون ) لها بالطاعة ( ألا إنهم ) بل إنهم ( هم المفسدون ) لها بالتعويق ( ولكن لا يشعرون ) لا يعلم سفلتهم أن رؤساءهم هم الذين يضلونهم ( وإذا قيل لهم ) لليهود ( آمنوا ) بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن ( كما آمن الناس ) عبد الله بن سلام وأصحابه ( قالوا أنؤمن ) بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن ( كما آمن السفهاء ) الجهال الخرقي ( ألا إنهم ) بلى أنهم ( هم السفهاء ) الجهال الخرقي ( ولكن لا يعلمون ) ذلك ( وإذا لقوا ) يعني المنافقين ( الذين آمنوا ) يعني أبا بكر وأصحابه ( قالوا آمنا ) في السر وصدقنا بإيماننا كما آمنتم له في السر وصدقتم به ( وإذا خلوا ) رجعوا ( إلى شياطينهم ) كهنتهم ورؤساءهم وهم خمسة نفر كعب بن الأشرف بالمدينة وأبو بردة الأسلمي في بني أسلم وابن السوداء بالشام وعبد الدار في جهينة وعوف بن عامر في بني عامر ( قالوا ) لرؤسائهم ( إنا معكم ) على دينكم في السر ( إنما نحن مستهزؤون ) بمحمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه بلا إله إلا الله ( الله يستهزئ بهم ) في الآخرة يعني يفتح لهم بابا إلى الجنة ثم يغلق دونهم فيستهزى ء بهم المؤمنون ( ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) يتركهم في الدنيا في كفرهم وضلالتهم يعمهون يمضون عمهة لا يبصرون ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) اختاروا الكفر على الإيمان وباعوا الهدى بالضلالة
( فما ربحت تجارتهم ) لم يربحوا في تجارتهم بل خسروا ( وما كانوا مهتدين ) من الضلالة ( مثلهم ) مثل المنافقين مع محمد صلى الله عليه وسلم ( كمثل الذي استوقد نارا ) أوقد نارا في ظلمة لكي يأمن بها على أهله وماله ونفسه ( فلما أضاءت ما حوله ) استضاءت ورأى ما حوله وأمن بها على نفسه وأهله وماله طفئت ناره فكذلك المنافقون آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن فأمنوا به على أنفسهم وأموالهم وأهاليهم من السبي والقتل فلما ماتوا ( ذهب الله بنورهم ) بمنفعة إيمانهم ( وتركهم في ظلمات ) في شدائد القبر ( لا يبصرون ) الرخاء بعد ذلك ويقال مثلهم أي مثل اليهود مع محمد صلى الله عليه وسلم كمثل رجل أقام علما في هزيمة فاجتمع إليه مهزمون فقلبوا علمهم فذهبت منفعتهم وأمنهم به كذلك اليهود كانوا يستنصرون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن قبل خروجه فلما خرج كفروا به فذهب الله بنورهم برغبة إيمانهم ومنفعة إيمانهم لأنهم أرادوا أن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام فلم يؤمنوا وتركهم في ظلمات في ضلالة اليهودية لا يبصرون الهدى ( صم ) يتصاممون ( بكم ) يتباكمون ( عمي ) يتعامون ( فهم لا يرجعون ) عن كفرهم وضلالتهم ( أو كصيب من السماء ) وهذا مثل آخر يقول مثل المنافقين واليهود مع القرآن كصيب كمطر نزل من السماء ليلا على قوم في مفازة ( فيه ) في الليل ( ظلمات ورعد وبرق ) وكذلك القرآن نزل من الله فيه ظلمات بيان الفتن ورعد زجر وتخويف وبرق بيان وتبصرة ووعدا ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق ) من صوت الرعد ( حذر الموت ) مخافة البوائق والموت كذلك المنافقون واليهود كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق من بيان القرآن ووعده ووعيده حذر الموت مخافة ميل القلب إليه ( والله محيط بالكافرين ) والمنافقين أي عالم بهم وجامعهم في النار ( يكاد البرق ) النار ( يخطف أبصارهم ) يذهب بأبصار الكافرين كذلك البيان أراد أن يذهب بأبصار ضلالتهم ( كلما أضاء لهم ) البرق ( مشوا فيه ) في ضوء البرق ( وإذا أظلم عليهم قاموا ) بقوا في الظلمة كذلك المنافقون لما آمنوا مشوا فيما بين المؤمنين لأنهم تقبل إيمانهم فلما ماتوا بقوا في ظلمة القبر ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم ) بالرعد ( وأبصارهم ) بالبرق كذلك لو شاء الله لذهب بسمع المنافقين واليهود بزجر ما في القرآن ووعيد ما فيه وابصارهم بالبيان ( إن الله على كل شيء ) من ذهاب السمع والبصر ( قدير يا أيها الناس ) يا أهل مكة ويقال هم اليهود ( اعبدوا ربكم ) وحدوا ربكم ( الذي خلقكم ) نسما من النطفة ( والذين من قبلكم ) وخلق الذين من قبلكم ( لعلكم تتقون ) لكي تتقوا السخطة والعذاب وتطيعوا الله ( الذي جعل لكم الأرض فراشا ) بساطا ومناما ( والسماء بناء ) سقفا مرفوعا ( وأنزل من السماء ماء ) مطرا ( فأخرج به ) فأنبت بالمطر ( من الثمرات ) من ألوان الثمرات ( رزقا لكم ) طعاما لكم ولسائر الخلق ( فلا تجعلوا لله أندادا ) فلا تقولوا لله أعدالا وأشكالا واشباها ( وأنتم تعلمون ) أني صانع هذه الأشياء ويقال وأنتم تعلمون في كتابكم أنه ليس له ولد ولا شبيه ولا ند ( وإن كنتم في ريب ) في شك ( مما نزلنا ) بما نزلنا جبريل ( على عبدنا ) محمد أنه يختلقه من تلقاء نفسه ( فأتوا بسورة من مثله ) فجيئوا بسورة من مثل سورة البقرة ( وادعوا شهداءكم ) واستعينوا بآلهتكم التي تعبدون ( من دون الله ) ويقال برؤسائكم ( إن كنتم صادقين ) في مقالتكم ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) وهذا مقدم ومؤخر يقول لن تفعلوا أي لن تقدروا أن تجيئوا بمثله فإن لم تفعلوا فإن لم تقدروا أن تجيئوا ( فاتقوا النار ) فاخشوا النار إن لم تؤمنوا ( التي وقودها الناس ) حطبها الكفار ( والحجارة ) حجارة الكبريت
( أعدت ) خلقت وهيئت واعتدت وقدرت ( للكافرين ) ثم ذكر كرامة المؤمنين في الجنة فقال ( وبشر الذين آمنوا ) بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ( وعملوا الصالحات ) الطاعات فيما بينهم وبين ربهم ويقال الصالحات من الأعمال ( أن لهم ) بأن لهم ( جنات ) بساتين ( تجري من تحتها ) من تحت شجرها ومساكنها ( الأنهار ) أنهار الخمر واللبن والعسل والماء ( كلما رزقوا منها ) كلما أطعموا فيها في الجنة ( من ثمرة ) من ألوان الثمرات ( رزقا ) طعاما ( قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ) أطعمنا من قبل هذا ( وأتوا به ) جيئوا به بالطعام ( متشابها ) في اللون مختلفا في الطعم ( ولهم فيها ) في الجنة ( أزواج ) جوار ( مطهرة ) مهذبة من الحيض والأدناس ( وهم فيها ) في الجنة ( خالدون ) دائمون لا يموتون ولا يخرجون ثم ذكر إنكار اليهود لأمثال القرآن فقال ( إن الله لا يستحيي ) لا يترك وكيف يستحيي من ذكر شيء لو اجتمع الخلائق كلهم على تخليقه ما قدروا عليه ولا يمنعه الحياء ( أن يضرب مثلا ) أن يبين للخلق مثلا ( ما بعوضة ) في بعوضة ( فما فوقها ) فكيف ما فوقها يعني الذباب والعنكبوت ويقال ما دونها ( فأما الذين آمنوا ) بمحمد والقرآن ( فيعلمون أنه ) يعني المثل ( الحق ) أي هو الحق ( من ربهم وأما الذين كفروا ) بمحمد والقرآن ( فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ) أي بهذا المثل قل يا محمد إن الله أراد بهذا المثل أنه ( يضل به كثيرا ) من اليهود عن الدين ( ويهدي به كثيرا ) من المؤمنين ( وما يضل به ) بالمثل ( إلا الفاسقين ) اليهود ( الذين ينقضون عهد الله ) في هذا النبي صلى الله عليه وسلم ( من بعد ميثاقه ) تغليظه وتشديده وتأكيده ( ويقطعون ما أمر الله به ) من الإيمان والأرحام ( أن يوصل ) بمحمد ( ويفسدون في الأرض ) بتعويق الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ( أولئك هم الخاسرون ) المغبونون بذهاب الدنيا والاخرة ( كيف تكفرون بالله ) على وجه التعجيب ( وكنتم أمواتا ) نطفا في أصلاب آبائكم ( فأحياكم ) في ارحام أمهاتكم ( ثم يميتكم ) عند انقطاع آجالكم ( ثم يحييكم ) للبعث ( ثم إليه ترجعون ) في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم ثم ذكر منته عليهم فقال ( هو الذي خلق لكم ) سخر لكم ( ما في الأرض ) من الدواب والنبات وغير ذلك ( جميعا ) منه منه ( ثم استوى إلى السماء ) أي ثم عمد إلى خلق السماء ( فسواهن ) فجعلهن ( سبع سماوات ) مستويات على الأرض ( وهو بكل شيء ) من خلق السموات والأرض ( عليم ) ثم ذكر قصة الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم فقال ( وإذ قال ) وقد قال ( ربك للملائكة ) الذين كانوا في الأرض ( إني جاعل ) خالق أخلق ( في الأرض ) من الأرض ( خليفة ) بدلا منكم ( قالوا أتجعل فيها ) أتخلق فيها ( من يفسد فيها ) بالمعاصي ( ويسفك الدماء ) بالظلم ( ونحن نسبح بحمدك ) نصلى لك بأمرك
( ونقدس لك ) ونذكرك بالطهارة ( قال إني أعلم ) ما يكون من ذلك الخليفة ( ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ) أسماء الذرية ويقال أسماء الدواب وغير ذلك حتى القصعة والقصيعة والسكرجة ( ثم عرضهم ) على مذهب الشخوص ( على الملائكة ) الذين أمروا بالسجود ( فقال أنبئوني ) أخبروني ( بأسماء هؤلاء ) الخلق والذرية ( إن كنتم صادقين ) في مقالتكم الأولى ( قالوا سبحانك ) تبنا إليك من ذلك ( لا علم لنا إلا ما علمتنا ) ألهمتنا ( إنك أنت العليم ) بقلوبهم ( الحكيم ) بأمرنا وبأمرهم ( قال يا آدم أنبئهم ) أخبرهم ( بأسمائهم فلما أنبأهم ) أخبرهم ( بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض ) غيب ما يكون في السموات والأرض ( وأعلم ما تبدون ) ما تظهرون لربكم من الطاعة لآدم ( وما كنتم تكتمون ) منه ويقال ما ابدى ء لهم إبليس وما كنتم منهم ( وإذ قلنا ) وقد قلنا ( للملائكة اسجدوا لآدم ) سجدة التحية ( فسجدوا إلا إبليس أبى ) عن أمر الله ( واستكبر ) تعاظم عن السجود لآدم ( وكان من الكافرين ) بعد وصار من الكافرين بإبائه عن أمر الله ويقال وكان في علم الله أنه يصير من الكافرين ويقال كان من أول الكافرين ثم ذكر قصة آدم وحواء فقال ( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) ادخل أنت وحواء الجنة ( وكلا منها رغدا ) موسعا عليكما ( حيث شئتما ) ومتى شئتما ( ولا تقربا هذه الشجرة ) لا تأكلا من هذه الشجرة شجرة العلم عليها من كل لون وفن ( فتكونا من الظالمين ) فتصيرا من الضارين لأنفسكما ( فأزلهما ) فاستزلهما ( الشيطان عنها ) عن الجنة ( فأخرجهما مما كانا فيه ) من الرغد ( وقلنا ) لآدم وحواء وطاوس وحية وإبليس ( اهبطوا ) انزلوا إلى الأرض ( بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ) منزل ( ومتاع ) منفعه ومعاش ( إلى حين ) إلى حين الموت ( فتلقى آدم من ربه ) حفظ آدم من ربه ويقال لقن فتلقن وألهم فتلهم ( كلمات ) لكي تكون سببا له ولأولاده إلى التوبة ( فتاب عليه ) فتجاوز عنه ( إنه هو التواب ) المتجاوز ( الرحيم ) لمن مات على التوبة ( قلنا ) لآدم وحواء وحية وطاوس وإبليس ( اهبطوا منها ) من السماء ( جميعا ) ثم ذكر ذرية آدم فقال ( فإما يأتينكم ) فلما يأتينكم وحين يأتينكم وكلما يأتينكم ( مني هدى ) كتاب ورسول ( فمن تبع هداي ) الكتاب والرسول ( فلا خوف عليهم ) فيما يستقبلهم من العذاب ( ولا هم يحزنون ) على ما خلفوا من خلفهم ويقال بلا خوف عليهم بالدوام ولا هم يحزنون بالدوام ويقال فلا خوف عليهم إذا ذبح الموت ولا هم يحزنون إذا أطبقت النار ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) بالكتاب والرسول
( أولئك أصحاب النار ) أهل النار ( هم فيها خالدون ) في النار دائمون لا يموتون ولا يخرجون ثم ذكر منته على بني إسرائيل فقال ( يا بني إسرائيل ) يا أولاد يعقوب ( اذكروا نعمتي ) اشكروا واحفظوا منتي ( التي أنعمت عليكم ) منت عليكم بالكتاب والرسول والنجاة من فرعون والغرق والمن والسلوى وغير ذلك ( وأوفوا بعهدي ) أتموا عهدي في هذا النبي صلى الله عليه وسلم ( أوف بعهدكم ) ادخلكم الجنة ( وإياي فارهبون ) فخافوني في نقض العهد ولا تخافوا غيري ( وآمنوا بما أنزلت ) جبريل به ( مصدقا ) موافقا بالتوحيد وصفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وبعض الشرائع ( لما معكم ) من الكتاب ( ولا تكونوا أول كافر به ) بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ( ولا تشتروا بآياتي ) بكتمان صفة محمد ونعته ( ثمنا قليلا ) عوضا يسيرا من المأكلة ( وإياي فاتقون ) فخافوني في هذا النبي صلى الله عليه وسلم ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) ولا تخلطوا الباطل بالحق صفة الدجال بصفة محمد صلى الله عليه وسلم ( وتكتموا الحق ) ولا تكتموا الحق ( وأنتم تعلمون ) بكتمانه ثم ذكر لزوم الشرائع عليهم بعد الإيمان فقال ( وأقيموا الصلاة ) أتموا الصلوات الخمس ( وآتوا الزكاة ) أعطوا زكاة أموالكم ( واركعوا مع الراكعين ) صلوا الصلوات الخمس مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجماعة ثم ذكر قصة رؤساء اليهود فقال ( أتأمرون الناس ) سفلة الناس بالبر بالتوحيد واتباع محمد صلى الله عليه وسلم ( وتنسون أنفسكم ) تتركون أنفسكم فلا تتبعونه ( وأنتم تتلون ) تقرءون ( الكتاب ) عليهم ( أفلا تعقلون ) فليس لكم ذهن الإنسانية ( واستعينوا بالصبر ) على أداء فرائض الله وترك المعاصي ( والصلاة ) وبكثرة الصلاة على تمحيص الذنوب ( وإنها ) يعني الصلاة ( لكبيرة ) لثقيلة ( إلا على الخاشعين ) المتواضعين ( الذين يظنون ) يعلمون ويستيقنون ( إنهم ملاقوا ربهم ) معاينو ربهم ( وأنهم إليه راجعون ) بعد الموت ثم ذكر ايضا منته على بني إسرائيل فقال ( يا بني إسرائيل ) يا أولاد يعقوب ( اذكروا نعمتي ) احفظوا منتي ( التي أنعمت عليكم ) مننت عليكم ( وأني فضلتكم ) بالكتاب والرسول والإسلام ( على العالمين ) على عالمي زمانكم ( واتقوا يوما ) واخشوا عذاب يوم إن لم تؤمنوا وتتوبوا من اليهودية ( لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) لا تغنى نفس كافرة عن نفس كافرة من عذاب الله شيئا ( ولا يقبل منها شفاعة ) لا يشفع لها شافع ( ولا يؤخذ ) لا يقبل ( منها عدل ) فداء ( ولا هم ينصرون ) يمنعون من عذاب الله ( وإذ نجيناكم من آل فرعون ) من فرعون وقومه ( يسومونكم سوء العذاب ) يعذبونكم بأشد العذاب ثم ذكر عذابه عليهم فقال ( يذبحون أبناءكم ) صغارا ( ويستحيون ) يستخدمون ( نساءكم ) كبارا ( وفي ذلكم بلاء ) بلية ( من ربكم عظيم ) عظيمة ويقال نقمة من ربكم عظيمة ثم ذكر منة النجاة من الغرق وغرق فرعون وقومه فقال ( وإذ فرقنا ) فلقنا ( بكم البحر فأنجيناكم )
) من الغرق ( وأغرقنا آل فرعون ) وقومه ( وأنتم تنظرون ) إليهم بعد ثلاثة أيام ( وإذ واعدنا ) وقد واعدنا ( موسى أربعين ليلة ) باعطاء الكتاب ( ثم اتخذتم العجل ) عبدتم العجل ( من بعده ) من بعد انطلاقه إلى الجبل ( وأنتم ظالمون ) ضارون ( ثم عفونا عنكم ) تركناكم ولم نستأصلكم ( من بعد ذلك ) من بعد عبادتكم العجل ( لعلكم تشكرون ) لكي تشكرو عفوي ( وإذ آتينا موسى الكتاب ) أعطينا موسى التوراة ( والفرقان ) يعني بينا فيها الحلال والحرام والأمر والنهي وغير ذلك ويقال النصرة والدولة على فرعون ( لعلكم تهتدون ) لكي تهتدوا من الضلالة ثم ذكر قصة موسى مع قومه فقال ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ) ضررتم أنفسكم ( باتخاذكم العجل ) بعبادتكم العجل فقالوا لموسى فبماذا تأمرنا فقال لهم ( فتوبوا إلى بارئكم ) إلى خالقكم قالوا كيف نتوب فقال لهم ( فاقتلوا أنفسكم ) فليقتل الذي لم يعبد العجل الذي عبده ( ذلكم ) التوبة والقتل خير لكم عند بارئكم خالقكم فتاب عليكم فتجاوز عنكم ( إنه هو التواب ) المتجاوز لمن تاب ( الرحيم ) على من مات على التوبة ( وإذ قلتم ) وقد قلتم ( يا موسى لن نؤمن لك ) لن نصدقك فيما تقول ( حتى نرى الله جهرة ) معاينة كما رأيت ( فأخذتكم الصاعقة ) فأحرقتكم النار ( وأنتم تنظرون ) إليها ( ثم بعثناكم ) أحييناكم ( من بعد موتكم ) حرقكم ( لعلكم تشكرون ) لكي تشكروا إحيائي ( وظللنا عليكم الغمام ) في التيه ( وأنزلنا عليكم المن والسلوى ) في التيه ( كلوا من طيبات ) حلالات ( ما رزقناكم ) أعطيناكم ولا ترفعوا لغد فرفعوا ( وما ظلمونا ) وما نقصونا بما رفعوا ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) يضرون ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ) قرية أريحا ( فكلوا منها حيث شئتم ) ومتى ما شئتم ( رغدا ) موسعا عليكم ( وادخلوا الباب سجدا ) ركعا ( وقولوا حطة ) أن تحط عنا خطايانا ويقال لا إله إلا الله ( نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ) في حسناتهم ( فبدل الذين ظلموا ) أنفسهم وهم أصحاب الحطة ( قولا غير الذي قيل لهم ) أمر لهم فقالوا حنطة شمقاتا يعني الحنطة الحمراء ( فأنزلنا على الذين ظلموا ) غيروا القول وهم أصحاب الحطة ( رجزا ) طاعونا ( من السماء بما كانوا يفسقون ) يغيرون ما أمروا به
( وإذ استسقى موسى لقومه ) في التيه ( فقلنا اضرب بعصاك الحجر ) الذي معك وكان حجرا أعطاه الله أياه عليه اثنا عشر ثديا كثدي المرأة يخرج من كل ثدي نهر إذا ضرب عصاه عليه ( فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ) نهرا ( قد علم كل أناس ) سبط ( مشربهم ) من نهرهم قال الله لهم ( كلوا ) من المن والسلوى ( واشربوا ) من الأنهار كلها ( من رزق الله ) لكم ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) ولا تمشوا في الأرض بالفساد وخلاف أمر موسى ( وإذ قلتم ) وقد قلتم ( يا موسى لن نصبر على طعام واحد ) على أكل طعام واحد المن والسلوى ( فادع ) أي أسأل ( لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض ) مما تخرج الأرض ( من بقلها وقثائها وفومها ) أي ثومها ( وعدسها وبصلها قال ) لهم موسى ( أتستبدلون الذي هو أدنى ) أردأ الثوم والبصل ( بالذي هو خير ) أفضل وأشرف المن والسلوى أي تسألون الذي هو الرديء وتتركون الذي هو الشريف ( اهبطوا مصرا ) الذي خرجتم منه ويقال مصرا من الأمصار ( فإن لكم ما سألتم ) فأن ماسألتم لكم ثم ( وضربت عليهم الذلة ) جعلت عليهم المذلة بالجزية ( والمسكنة ) زي الفقر ( وباؤوا بغضب ) استوجبوا للعنة ( من الله ذلك ) اللعنة والذلة والمسكنة ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ) يجحدون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ( ويقتلون النبيين بغير الحق ) بغير حق ولا جرم ( ذلك ) الغضب ( بما عصوا ) لله في السبت ( وكانوا يعتدون ) بقتل الأنبياء واستحلال المعاصي ثم ذكر الذين آمنوا منهم فقال ( إن الذين آمنوا ) بموسى وسائر الأنبياء لهم أجرهم وثوابهم عند ربهم في الجنة ولا خوف عليهم بالدوام ولا هم يحزنون بالدوام ويقال ولا خوف عليهم فيما يستقبلهم من العذاب ولا هم يحزنون على ما خلفوا من خلفهم ويقال ولا خوف عليهم إذا ذبح الموت ولا هم يحزنون إذا أطبقت النار ثم ذكر الذين لم يؤمنوا بموسى وسائر الأنبياء يقال ( والذين هادوا ) مالوا عن دين موسى وهم اليهود الذين تهودوا ( والنصارى ) الذين تنصروا ( والصابئين ) قوم من النصارى يحلقون وسط رؤوسهم ويقرءون الزبور ويعبدون الملائكة يقولون صبأت قلوبنا أي رجعت قلوبنا إلى الله ( من آمن ) منهم ( بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ) فيما بينهم وبين ربهم ( فلهم أجرهم ) ثوابهم أيضا ( عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ثم ذكر أخذ الميثاق عليهم فقال ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) وقد أخذنا إقراركم ( ورفعنا ) قلعنا وحبسنا ( فوقكم ) فوق رؤوسكم ( الطور ) الجبل بأخذ الميثاق ( خذوا ما آتيناكم ) اعملوا بما أعطيناكم من الكتاب ( بقوة ) بجد ومواظبة النفس ( واذكروا ما فيه ) من الثواب والعقاب واحفظوا ما فيه من الحلال والحرام ( لعلكم تتقون ) لكي تتقوا من السخط والعذاب وتطيعوا الله ( ثم توليتم ) أعرضتم عن الميثاق ( من بعد ذلك فلولا فضل الله ) من الله ( عليكم ) بتأخير العذاب ( ورحمته ) بارسال محمد صلى الله عليه وسلم إليكم ( لكنتم من الخاسرين ) لصرتم من المغبونين بالعقوبة ( ولقد علمتم ) عرفتم وسمعتم عقوبة ( الذين اعتدوا منكم ) بأخذ الميثاق ( في السبت ) يوم السبت في زمن داود ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين )
) صيروا قردة ذليلين صاغرين ( فجعلناها ) قردة ( نكالا ) عقوبة ( لما بين يديها ) لما قبلها من الذنوب ( وما خلفها ) ولكي يكونوا عبرة لمن خلفهم لكي لا يقتدوا بهم ( وموعظة للمتقين ) عظة ونهيا للمتقين لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم ذكر قصة البقرة فقال ( وإذ قال ) وقد قال ( موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) من البقور ( قالوا أتتخذنا هزوا ) أتستهزى بنا يا موسى قال موسى ( أعوذ بالله ) امتنع بالله ( أن أكون من الجاهلين ) من المستهزئين بالمؤمنين فلما علموا أنه صادق ( قالوا ادع لنا ربك ) سل لنا ربك ( يبين لنا ما هي ) صغيرة أو كبيرة هي قال موسى ( إنه يقول ) أي يقول الله ( إنها بقرة لا فارض ) لا كبيرة ( ولا بكر ) ولا صغيرة ( عوان بين ذلك ) نصف أي وسط بين الصغير والكبير ( فافعلوا ما تؤمرون ) ولا تسألوا ( قالوا ادع لنا ربك ) سل لنا ربك ( يبين لنا ما لونها ) ما لون البقرة ( قال إنه يقول إنها بقرة صفراء ) الظلف والقرن سوداء البدن ( فاقع لونها ) صاف لونها ( تسر الناظرين ) تعجب الناظرين إليها ( قالوا ادع لنا ربك ) سل لنا ربك يبين لنا ما هي عاملة هي أم لا ( إن البقر تشابه علينا ) تشاكل علينا ( وإنا إن شاء الله لمهتدون ) إلى وصفها ويقال إلى قاتل عاميل ( قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ) لا مذللة ( تثير الأرض ) تحرث الأرض ( ولا تسقي الحرث ) لا يستسقى عليها بالسواقي الحرث ( مسلمة ) من كل عيب ( لا شية فيها ) لا وضح فيها ولا بياض ( قالوا الآن جئت بالحق ) الآن تبين لنا الصفة فطلبوها واشتروها بملء مسكها ذهبا ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) في بدء الأمر ويقال من غلاء ثمنها ثم ذكر المقتول فقال ( وإذ قتلتم نفسا ) عاميل ( فادارأتم فيها ) فاختلفتم في قتلها ( والله مخرج ) مظهر ( ما كنتم تكتمون ) من قتلها ( فقلنا اضربوه ) عني المقتول ( ببعضها ) أي بعضو من أعضائها ويقال بذنبها ويقال بلسانها ( كذلك ) كما أحيا الله عاميل ( يحيي الله الموتى ) للبعث ( ويريكم آياته ) إحياءه ( لعلكم تعقلون ) لكي تصدقوا بالبعث بعد الموت ( ثم قست ) جفت ويبست ( قلوبكم من بعد ذلك ) من بعد إحياء عاميل وإعلامكم قاتله ( فهي كالحجارة ) في الشدة ( أو أشد قسوة ) بل اشد قسوة ثم عذر الحجارة وذكر منفعتها وعاب على القلوب قال ( وإن من الحجارة ) حجارة ( لما يتفجر ) يخرج ( منه الأنهار وإن منها لما يشقق ) يقول يتصدع ( فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط ) يقول يتدحرج من أعلى الجبل إلى أسفله ( من خشية الله ) وقلوبكم لا تتحرك من خوف الله ( وما الله بغافل ) بتارك عقوبة ( عما تعملون ) من المعاصي ويقال ما تكتمون من المعاصي
( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ) أن ترجو يا محمد أن تؤمن بك اليهود ( وقد كان فريق منهم ) وهم السبعون الذين كانوا مع موسى ( يسمعون كلام الله ) قراءة موسى لكلام الله ( ثم يحرفونه ) يغيرونه ( من بعد ما عقلوه ) علموه وفهموه ( وهم يعلمون ) أنهم يغيرونه ثم ذكر منا في أهل الكتاب ويقال سفلة أهل الكتاب فقال ( وإذا لقوا الذين آمنوا ) يعني أبا بكر وأصحابه ( قالوا آمنا ) بنبيكم وصفته ونعته في كتابنا ( وإذا خلا بعضهم إلى بعض ) إذا رجع السفلة إلى رؤسائهم ( قالوا ) قال الرؤساء للسفلة ( أتحدثونهم ) أتخبرون محمدا وأصحابه ( بما فتح الله عليكم ) بما بين الله لكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابكم ( ليحاجوكم ) حتى يخاصموكم ( به عند ربكم ) من عند ربكم مقدم ومؤخر ( أفلا تعقلون ) أفليس لكم ذهن الإنسانية قال الله تعالى ( أو لا يعلمون ) يعني الرؤساء ( أن الله يعلم ما يسرون ) فيما بينهم ( وما يعلنون ) بمحمد وأصحابه ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ) لا يحسنون قراءة الكتاب ولا كتابته ( إلا أماني ) أحاديث بلا أصل ( وإن هم إلا يظنون ) وما يتكلمون إلا بالظن بتلقين رؤسائهم ( فويل ) فشدة العذاب ويقال واد في جهنم ( للذين يكتبون الكتاب ) يغيرون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في الكتاب ( بأيديهم ثم يقولون هذا ) الكتاب الذي جاء ( من عند الله ليشتروا به ) بتغييره وكتابته ( ثمنا قليلا ) عرضا يسيرا من المأكلة والفضول ( فويل لهم ) فشدة العذاب لهم ( مما كتبت أيديهم ) مما غيرت أيديهم ( وويل لهم ) شدة العذاب لهم ( مما يكسبون ) يصيبون من الحرام والرشوة ( وقالوا ) يعني اليهود ( لن تمسنا النار ) لن تصيبنا النار ( إلا أياما معدودة ) قدر أربعين يوما التي عبد فيها آباؤنا العجل ( قل ) يا محمد ( أتخذتم عند الله عهدا ) على ما تقولون ( فلن يخلف الله عهده ) إن كان لكم عند الله عهد ( أم تقولون ) بل أتقولون ( على الله ما لا تعلمون ) في كتابكم ( بلى ) رد عليهم ( من كسب سيئة ) أي أشرك بالله ( وأحاطت به خطيئته ) أوبقه شركه أي مات عليه ( فأولئك ) أهل هذه الصفة ( أصحاب النار ) أهل النار ( هم فيها خالدون ) دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها ثم ذكر الذين آمنوا فقال ( والذين آمنوا ) بمحمد والقرآن ( وعملوا الصالحات ) الطاعات فيما بينهم وبين ربهم ( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) دائمون لا يموتون ولا يخرجون منها ثم ذكر أيضا ميثاقه على بني اسرائيل فقال ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ) لا توحدون إلا الله ولا تشركون به شيئا ( وبالوالدين إحسانا ) برا بهما ( وذي القربى ) وصلة الرحم للقرابة ( واليتامى ) والإحسان إلى اليتامى ( والمساكين ) والإحسان إلى المساكين ( وقولوا للناس حسنا ) في شأن محمد صلى الله عليه وسلم حقا ويقال حسنا صدقا ( وأقيموا الصلاة ) أتموا الصلوات الخمس ( وآتوا الزكاة ) وأعطوا زكاة أموالكم ( ثم توليتم ) أعرضتم عن الميثاق
( إلا قليلا منكم ) من آبائكم ويقال إلا قليلا منكم عبد الله بن سلام وأصحابه ( وأنتم معرضون ) مكذبون تاركون له ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) في الكتاب ( لا تسفكون دماءكم ) لا تقتلون بعضكم بعضا ( ولا تخرجون أنفسكم ) أي بعضكم بعضا ( من دياركم ) من منازلكم يعني بني قريظة والنضير ثم ( أقررتم ) قبلتم ( وأنتم تشهدون ) تعلمون ذلك ( ثم أنتم هؤلاء ) يا هؤلاء ( تقتلون أنفسكم ) بعضكم بعضا ( وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ) من منازلهم ( تظاهرون عليهم ) تعاونون بعضكم بعضا ( بالإثم ) بالظلم ( والعدوان ) الاعتداء ( وإن يأتوكم أسارى ) يعني أسارى أهل دينكم ( تفادوهم ) من العدو مقدم ومؤخر ( وهو محرم عليكم إخراجهم ) أي إخراجهم وقتلهم محرم عليكم ( أفتؤمنون ببعض الكتاب ) ببعض ما في الكتاب تفادون اسراءكم من عدوكم ( وتكفرون ببعض ) وتتركون أسراء أصحابكم ولا تفادونهم يقال أتؤمنون ببعض الكتاب بما تهوى أنفسكم وتكفرون ببعض بما لا تهوى أنفسكم ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ) إلا عذاب في الدنيا بالقتل والسبي ( ويوم القيامة يردون ) يرجعون ( إلى أشد العذاب ) أسفل العذاب ( وما الله بغافل ) بتارك عقوبة ( عما تعملون ) من المعاصي ويقال ما تكتمون ( أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ) اختاروا الدنيا على الاخرة والكفر على الإيمان ( فلا يخفف ) لا يهون ويقال لا يرفع ( عنهم العذاب ولا هم ينصرون ) يمنعون من عذاب الله ( ولقد آتينا ) أعطينا ( موسى الكتاب ) التوراة ( وقفينا ) أتبعنا وأردتنا ( من بعده بالرسل وآتينا ) أعطينا ( عيسى ابن مريم البينات ) الأمر والنهي والعجائب والعلامات ( وأيدناه ) قويناه وأعناه ( بروح القدس ) بجبرائيل المطهر ( أفكلما جاءكم ) يا معشر اليهود ( رسول بما لا تهوى أنفسكم ) بما لا يوافق قلوبكم ودينكم ( استكبرتم ) تعظمتم عن الإيمان به ( ففريقا كذبتم ) يقول كذبتم فريقا محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى ( وفريقا تقتلون ) وفريقا قتلتم يحيى وزكريا ( وقالوا ) يعني اليهود ( قلوبنا غلف ) من قولك يا محمد أي قلوبنا أوعية لكل علم وهي لا تعي علمك وكلامك ( بل ) رد عليهم ( لعنهم الله ) طبع الله على قلوبهم ( بكفرهم ) عقوبة لكفرهم ( فقليلا ما يؤمنون ) ما يؤمنون قليلا ولا كثيرا ويقال ما يؤمنون بقليل ولا بكثير ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق ) موافق ( لما معهم ) من الكتاب بالتوحيدوصفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وبعض الشرائع كفروا به ( وكانوا من قبل ) من قبل محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ( يستفتحون ) يستنصرون بمحمد والقرآن ( على الذين كفروا ) من عدوهم أسد وغطفان ومزينة وجهينة ( فلما جاءهم ما عرفوا ) صفته ونعته في كتابهم ( كفروا به ) جحدوا به ( فلعنة الله ) سخطة الله وعذابه ( على الكافرين ) على اليهود
( بئسما اشتروا به أنفسهم ) باعوا به أنفسهم ( أن يكفروا ) بأن كفروا ( بما أنزل الله ) من الكتاب والرسول ( بغيا ) حسدا ( أن ينزل الله من فضله ) بأن نزل الله جبريل بفضله الكتاب والنبوة ( على من يشاء من عباده ) يعني محمدا ( فباؤوا بغضب على غضب ) فاستوجبوا لعنة على أثر لعنة ( وللكافرين عذاب مهين ) يهانون به ويقال شديد ( وإذا قيل لهم ) يعني اليهود ( آمنوا بما أنزل الله ) يعني القرآن ( قالوا نؤمن بما أنزل علينا ) يعني التوراة ( ويكفرون بما وراءه ) يعني سوى التوراة ( وهو الحق ) يعني القرآن ( مصدقا ) موافقا بالتوحيد ( لما معهم ) من الكتاب قالوا يا محمد آباؤنا كانوا مؤمنين قال الله ( قل ) يا محمد ( فلم تقتلون ) قتلتم ( أنبياء الله من قبل ) من قبل هذا ( إن كنتم مؤمنين ) إن كنتم مصدقين في مقالتكم ( ولقد جاءكم موسى بالبينات ) بالأمر والنهي والعلامات ( ثم اتخذتم العجل ) عبدتم العجل ( من بعده ) من بعد انطلاقه إلى الجبل ( وأنتم ظالمون ) كافرون ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) إقراركم ( ورفعنا ) قلعنا ورفعنا وحبسنا ( فوقكم ) فوق رؤوسكم ( الطور ) الجبل ( خذوا ما آتيناكم ) اعملوا بما أعطيناكم من الكتاب ( بقوة ) بجد ومواظبة النفس ( واسمعوا ) أطيعوا ما تؤمرون ( قالوا سمعنا وعصينا ) كأنهم يقولون لولا الجبل لسمعنا قولك وعصينا أمرك ( وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) أدخل في قلوبهم حب عبادة العجل بكفرهم عقوبة لكفرهم ( قل ) يا محمد إن كان حب عبادة العجل يعدل حب خالقكم ( بئسما يأمركم به إيمانكم ) يعني عبادة العجل ( إن كنتم مؤمنين ) مصدقين في مقالتكم بأن آباءنا كانوا مؤمنين ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة ) الجنة ( عند الله خالصة ) خاصة ( من دون الناس ) من دون المؤمنين بمحمد وأصحابه ( فتمنوا الموت ) فاسألوا الموت ( إن كنتم صادقين ) في مقالتكم ( ولن يتمنوه ) لن يسألوا الموت ( أبدا بما قدمت أيديهم ) بما عملت أيديهم في اليهودية ( والله عليم بالظالمين ) باليهود ( ولتجدنهم ) يا محمد يعني اليهود ( أحرص الناس على حياة ) على بقاء في الدنيا ( ومن الذين أشركوا ) وأحرص من الذين أشركوا مشركي العرب ( يود أحدهم ) يتمنى أحدهم ( لو يعمر ألف سنة ) أن يعيش ألف نيروز ومهرجان ( وما هو بمزحزحه ) بمباعدة ( من العذاب أن يعمر ) إن عاش ألف سنة ( والله بصير بما يعملون ) من المعاصي والاعتداء وما يكتمون من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ثم نزل في قولهم وهو قول عبد الله بن صوريا إن جبريل عدونا ( قل ) يا محمد ( من كان عدوا لجبريل فإنه ) عدو لله ( نزله على قلبك ) نزل الله جبريل عليك بالقرآن ( بإذن الله ) بأمر الله ( مصدقا ) موافقا بالتوحيد ( لما بين يديه ) من الكتاب ( وهدى ) من الضلالة ( وبشرى ) بشارة للمؤمنين بالجنة
( من كان عدوا لله وملائكته ) ولملائكته ( ورسله ) ولرسله ( وجبريل ) ولجبريل ( وميكال ) ولميكال ( فإن الله عدو للكافرين ) لليهود وأيضا رسله وجبريل وميكائيل وسائر المؤمنين أعداء لهم ( ولقد أنزلنا إليك آيات ) جبريل بآيات ( بينات ) مبينات واضحات بالأمر والنهي ( وما يكفر بها ) يجحد بالآيات ( إلا الفاسقون ) الكافرون اليهود ( أو كلما عاهدوا عهدا ) يعني الرؤساء من اليهود مع محمد ( نبذه ) طرحه ونقضه ( فريق منهم بل أكثرهم ) كلهم ( لا يؤمنون ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق ) موافق بالصفة والنعت ( لما معهم ) من الكتاب ( نبذ ) طرح ( فريق من الذين أوتوا الكتاب ) أعطوا الكتاب ( كتاب الله ) يعني التوراة ( وراء ظهورهم ) خلف ظهورهم لم يؤمنوا بما فيه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ولم يبينوا ( كأنهم ) جهلاء ( لا يعلمون ) تركت اليهود كتب الأنبياء كلها ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين ) عملوا بما كتبت الشياطين ( على ملك سليمان ) في ذهاب ملك سليمان أربعين يوما من السحر والنيرنجات ( وما كفر سليمان ) ما كتب سليمان السحر والنيرنجات ( ولكن الشياطين كفروا ) كتبوا ( يعلمون الناس ) يعني الشياطين ويقال اليهود ( السحر وما أنزل على الملكين ) ولم ينزل على الملكين السحر والنيرنجات ويقال يعلمون ما ألهم الملكان ايضا ( ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد ) ما يصفان يعني الملكين لأحد ( حتى يقولا ) أولا ( إنما نحن فتنة ) ابتلينا بهذه الدعوة تدعو بها لكي لا نشد العذاب على أنفسنا ( فلا تكفر ) فلا تتعلم ولا تعمل به ( فيتعلمون منهما ) بغير تعليمهما ( ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) ما يأخذ به الرجل على المرأة ( وما هم بضارين به ) بالسحر والفرقة ( من أحد ) لأحد ( إلا بإذن الله ) إلا بإرادة الله وعلمه ( ويتعلمون ) يعني الشياطين واليهود والسحرة بعضهم من بعض ( ما يضرهم ) في الآخرة ( ولا ينفعهم ) في الدنيا ولا في الآخرة ( ولقد علموا ) يعني الملكين ويقال اليهود في كتابهم ويقال الشياطين ( لمن اشتراه ) لمن اختار السحر والنرنجات ( ما له في الآخرة ) في الجنة ( من خلاق ) نصيب ( ولبئس ما شروا به أنفسهم ) ما اختاروا به السحر أنفسهم يعني اليهود ( لو كانوا يعلمون ) ولكن لا يعلمون ويقال وقد كانوا يعلمون في كتابهم ( ولو أنهم ) يعني اليهود ( آمنوا ) بمحمد والقرآن ( واتقوا ) تابوا من اليهودية والسحر ( لمثوبة من عند الله ) ) لكان ثوابهم عند الله ( خير ) من السحر واليهودية ( لو كانوا يعلمون ) يصدقون بثواب الله ولكن لا يعلمون ولا يصدقون ويقال قد كانوا يعلمون في كأيهم ثم ذكر نهيه للمؤمنين عن لغة اليهود فقال ( يا أيها الذين آمنوا ) بمحمد والقرآن ( لا تقولوا ) لمحمد ( راعنا ) سمعك يا نبي الله ( وقولوا انظرنا ) أي أنظر إلينا واسمع منا يا نبي الله وكان بلغتهم راعنا اسمع لاسمعت فمن ذلك نهي الله المؤمنين عن لغة اليهود ( واسمعوا ) ما تؤمرون به واطيعوا ( وللكافرين ) لليهود ( عذاب أليم ) وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم ( ما يود ) ما يتمنى ( الذين كفروا من أهل الكتاب ) كعب بن الأشرف وأصحابه ( ولا المشركين ) مشركي العرب أبو جهل وأصحابه
( أن ينزل عليكم ) أن ينزل الله جبريل على نبيكم ( من خير ) بخير بالنبوة والإسلام والكتاب ( من ربكم والله يختص برحمته ) يختار لدينه والنبوة والإسلام والكتاب ( من يشاء ) من كان أهلا لذلك يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ( والله ذو الفضل العظيم ) ذو المن الكبير بالنبوة والإسلام على محمد ثم ذكر ما نسخ من القرآن وما لم ينسخ بمقالة قريش تأمرنا يا محمد بأمر ثم تنهانا عنه فقال ( ما ننسخ من آية ) ما نمح من آية قد عمل بها فلا تعمل بها ( أو ننسها ) نتركها غير منسوخة للعمل بها ( نأت بخير منها ) أي نرسل جبريل بأنفع من المنسوخ وأهون في العمل بها ( أو مثلها ) في الثواب والنفع والعمل ( ألم تعلم ) يا محمد ( إن الله على كل شيء ) من الناسخ والمنسوخ ( قدير ألم تعلم ) يا محمد ( أن الله له ملك السماوات والأرض ) يعني خزائن السموات والأرض يأمر عباده ما يشاء لأنه عليم بصلاحهم ( وما لكم ) يا معشر اليهود ( من دون الله ) من عذاب الله ( من ولي ) من قريب ينفعكم ولا حافظ يحفظكم ( ولا نصير ) مانع يمنعكم ( أم تريدون ) أتريدون ( أن تسألوا رسولكم ) رؤية الرب وكلامه وغير ذلك ( كما سئل موسى ) كما سأل من موسى بنو اسرائيل ( من قبل ) من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ( ومن يتبدل الكفر بالإيمان ) اختار الكفر على الإيمان ( فقد ضل سواء السبيل ) ترك قصد طريق الهدى ( ود ) تمنى ( كثير من أهل الكتاب ) كعب الأشرف وأصحابه وفنحاص ابن عاز وراء وأصحابه ( لو يردونكم ) أن يردوكم يا عمار ويا حذيفة ويا معاذ بن جبل ( من بعد إيمانكم ) بمحمد والقرآن ( كفارا ) حتى ترجعوا كفارا إلى دينهم ( حسدا من عند أنفسهم ) حسدا منهم ( من بعد ما تبين لهم الحق ) في كتابهم أن محمد ودينه ونعته وصفته هو الحق ( فاعفوا ) فاتركوا ( واصفحوا ) أعرضوا ( حتى يأتي الله بأمره ) بعذابه على بني قريظة والنضير من القتل والسبي والاجلاء ( إن الله على كل شيء ) من القتل والإجلاء ( قدير وأقيموا الصلاة ) أتموا الصلوات الخمس ( وآتوا الزكاة ) أعطوا زكاة أموالكم ( وما تقدموا لأنفسكم ) تسلفوا لأنفسكم ( من خير ) من عمل صالح وزكاة وصدقة ( تجدوه ) تجدوا ثوابه ( عند الله ) من عند الله ( إن الله بما تعملون ) تنفقون من الصدقة والزكاة ( بصير ) بنياتكم ( وقالوا ) يعني اليهود ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ) إلا من مات على اليهودية بزعمهم ( أو نصارى ) وكذلك قالت النصارى ( تلك أمانيهم ) تمنيهم أي تمنوا على الله ماليس في كتابهم ( قل ) يا محمد لكلا الفريقين ( هاتوا برهانكم ) يعني حجتكم من كتابكم ( إن كنتم صادقين ) في مقالتكم ( بلى ) ليس كما قلتم ولكن ( من أسلم وجهه لله ) من أخلص دينه وعمله لله ( وهو محسن ) في القول والفعل ( فله أجره ) ثوابه ( عند ربه ) في الجنة ( ولا خوف عليهم ) بخلود النار ( ولا هم يحزنون ) بذهاب الجنة ثم ذكر مقالة اليهود والنصارى في خصومتهم في الدين فقال ( وقالت اليهود ) يهود أهل المدينة ( ليست النصارى على شيء ) من دين الله ولا دين إلا اليهودية ( وقالت النصارى ) نصارى أهل نجران ( ليست اليهود على شيء ) من دين الله ولا دين إلا النصرانية ( وهم يتلون الكتاب ) وكلا الفريقين يقرون الكتاب ولا يؤمنون ويقولون ما ليس فيه ( كذلك ) هكذا ( قال الذين لا يعلمون ) توحيد الله من آبائهم ويقال كتاب الله من غيرهم ( مثل قولهم )
) شبه قولهم ( فالله يحكم ) يقضي ( بينهم ) بين اليهود والنصارى ( يوم القيامة فيما كانوا فيه ) من الدين ( يختلفون ) يخالفون ثم ذكر قطوس بن اسبيانوس الرومي ملك النصارى الذي خرب بيت المقدس قال ( ومن أظلم ) في كفره ( ممن منع مساجد الله ) خرب بيت المقدس ( أن يذكر فيها اسمه ) لكيلا يذكر فيها اسمه بالتوحيد والأذان ( وسعى ) عمل ( في خرابها ) في خراب بيت المقدس من إلقاء لجيف فيها فكان خرابا إلى زمان عمر ( أولئك ) أهل الروم ( ما كان لهم ) أمن ( أن يدخلوها ) يعني بيت المقدس ( إلا خائفين ) مستخفين من المؤمنين مخافة القتل لو علم به القتل لقتل ( لهم في الدنيا خزي ) عذاب خراب مدائنهم قسطنطينية وعمورية ورومية ( ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) شديد أشد مما لهم في الدنيا ثم ذكر قبلته فقال ( ولله المشرق والمغرب ) قبلة لمن لا يعلم القبلة ( فأينما تولوا ) تحولوا وجوهكم في الصلاة بالتحري ( فثم وجه الله ) فتلك الصلاة برضا الله نزلت في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا في سفر إلى غير القبلة بالتحري ويقال ولله المشرق والمغرب يقول الله لأهل المشرق والمغرب قبلة وهو الحرم فأينما تولوا وجوهكم في الصلاة إلى الحرم فثم وجه الله قبلة الله ( إن الله واسع ) بالقبلة ( عليم ) بنياتهم ثم ذكر مقالة اليهود والنصارى عزيز ابن الله والمسيح ابن الله قال ( وقالوا ) يعني اليهود والنصارى ( اتخذ الله ولدا ) عزيزا ومسيحا ( سبحانه ) نزه نفسه عن الولد والشريك ( بل ) ليس كما قلتم ولكن ( له ) عبيدا ( ما في السماوات والأرض ) من الخلق ( كل له قانتون ) عقرون له بالعبودية والتوحيد ( بديع السماوات والأرض ) ابتدعهما ولم يكونا شيئا ( وإذا قضى أمرا ) إذا أراد أن يخلق ولدا بلا أب مثل المسيح ( فإنما يقول له كن فيكون ) ولدا بلا أب كآدم كان بلا أب وأم ( وقال الذين لا يعلمون ) توحيد الله يعني اليهود ( لولا يكلمنا الله ) معاينة ( أو تأتينا آية ) علامة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لآمنا به ( كذلك ) هكذا ( قال الذين من قبلهم ) من آبائهم ( مثل قولهم ) شبه قولهم ( تشابهت قلوبهم ) استوت كلمتهم وتوافقت قلوبهم مع آبائهم ( قد بينا الآيات ) العلامات الأمر والنهي وصفاتك في التوراة ( لقوم يوقنون ) يصدقون ( إنا أرسلناك ) يا محمد ( بالحق ) بالقرآن والتوحيد ( بشيرا ) بالجنة لمن آمن بالله ( ونذيرا ) من النار لمن كفر بالله ( ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ) لا ينبغي أن تسئل عن أصحاب الجحيم ويقال لا تسأل عن حاب الجحيم عن غفران أصحاب الجحيم ( ولن ترضى عنك اليهود ) يهود أهل المدينة ( ولا النصارى ) نصارى أهل نجران ( حتى تتبع ملتهم ) دينهم وقبلتهم ( قل ) يا محمد ( إن هدى الله هو الهدى ) أي دين الله هو الإسلام وقبلة الله هي الكعبة ( ولئن اتبعت أهواءهم ) دينهم وقبلتهم ( بعد الذي جاءك من العلم ) من البيان أن دين الله هو الإسلام وقبلة الله هي الكعبة ( ما لك من الله ) من عذاب الله ( من ولي ) قريب ينفعك ( ولا نصير ) انع يمنعك ثم ذكر مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه وبحيرا الراهب وأصحابه والنجاشي وأصحابه فقال ( الذين آتيناهم الكتاب ) أعطيناهم علم الكتاب يعني التوراة ( يتلونه حق تلاوته ) يصفونه حق صفته ولا يحرفونه أي يبينون حلاله وحرامه وأمره ونهيه لمن سألهم ويعملون بمحكمة ويؤمنون بمتشابهه ( أولئك يؤمنون به ) بمحمد والقرآن ( ومن يكفر به ) بمحمد والقرآن ( فأولئك هم الخاسرون ) المغبونون بذهاب الدنيا والاخرة ثم ذكر منته على بني اسرائيل فقال ( يا بني إسرائيل ) يا أولاد يعقوب ( اذكروا نعمتي )
) احفظوا منتي ( التي أنعمت عليكم ) مننت على آبائكم بالنجاة من فرعون وقومه وغير ذلك ( وأني فضلتكم ) بالإسلام ( على العالمين ) عالمي زمانكم ( واتقوا يوما ) واخشوا عذاب يوم وهو يوم القيامة ( لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) لا تنفع نفس كافرة عن نفس كافرة شيئا ويقال نفس صالحة عن نفس صالحة شيئا ويقال والد عن ولده ولا مولود عن والده شيئا من عذاب الله ( ولا يقبل منها عدل ) نداء ( ولا تنفعها شفاعة ) ولا يشفع لها شافع ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد صالح ( ولا هم ينصرون ) يمنعون مما يراد بهم ثم ذكر منته على إبراهيم خليله فقال ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ) أي أمره بعشر خصال خمس في الرأس وخمس في الجسد ( فأتمهن ) فعمل بهن ويقال وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات بكر كلمة دعا ربه بها في القرآن فأتمهن وفي بهن ويقال دعا بهن ثم قال له ( إني جاعلك للناس إماما ) خليفة يقتدى بك قال إبراهيم ( ومن ذريتي ) أي واجعل من ذريتي أيضا إماما يقتدى به قال الله ( لا ينال عهدي ) أي لا ينال عهدي إليك ووعدي إليك وكرمتي إليك ورحمتي ( الظالمين ) من ذريتك ويقال أي لا أجعل إماما ظالما من ذريتك ويقال لا ينال عهدي الظالمين في الآخرة وأما في الدنيا فينالهم ثم أمر الخلق أن يقتدوا به فقال ( وإذ جعلنا البيت مثابة ) مرجعا ( للناس ) يثوبون إليه ويشتاقون إليه ( وأمنا ) لمن دخل فيه ( واتخذوا ) يا أمة محمد ( من مقام إبراهيم مصلى ) قبلة ( وعهدنا إلى إبراهيم ) أمرنا إبراهيم ( وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين ) من الأصنام ( والعاكفين ) المقيمين ( والركع السجود ) لأهل الصلوات الخمس من جملة البلدان ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ) من أن يهاج فيه ( وارزق أهله من الثمرات ) من ألوان الثمرات ( من آمن منهم بالله واليوم الآخر ) بالبعث بعد الموت قال الله ( ومن كفر ) أيضا ( فأمتعه قليلا ) فسأرزقه ليلا في الدنيا ( ثم أضطره ) ألجؤه ( إلى عذاب النار وبئس المصير ) صار إليه ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ) بني إبراهيم أساس البيت ( وإسماعيل ) يعينه فلما فرغا قالا ( ربنا ) يا ربنا ( تقبل منا ) بناءنا بيتك ( إنك أنت السميع ) لدعائنا ( العليم ) الإجابة ويقال العليم بنياتنا لبنائنا بيتك ( ربنا ) يا ربنا ( واجعلنا مسلمين ) مطيعين مخلصين ( لك ) بالتوحيد والعبادة ( ومن ذريتنا أمة مسلمة ) مطيعة مخلصة ( لك ) بالتوحيد والعبادة ( وأرنا مناسكنا ) علمنا سنن حجنا ( وتب علينا ) تجاوز عنا تقصيرنا ( إنك أنت التواب ) المتجاوز ( الرحيم ) بالمؤمنين ( ربنا ) يا ربنا ( وابعث فيهم ) في ذرية إسماعيل ( رسولا منهم ) من نسبهم ( يتلو عليهم آياتك ) القرآن ( ويعلمهم الكتاب ) القرآن ( والحكمة ) الحلال والحرام ( ويزكيهم ) يطهرهم بالتوحيد والزكاة من الذنوب ( إنك أنت العزيز ) بالنقمة لمن لا يجيب رسولك الذي ترسله إليهم ( الحكيم ) في إرسال الرسول فاستجاب الله دعاءه وبعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم وهن تلك الكلمات التي ابتلاه الله بها ( فأتمهن ) فدعا بهن ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم )
من يزهد في دين إبراهيم وسننه ( إلا من سفه نفسه ) إلا من خسر نفسه وذهب عقله وسفه رأيه ( ولقد اصطفيناه ) اخترناه يعني إبراهيم ( في الدنيا ) بالخلة ويقال اخترناه في الدنيا بالنبوة والإسلام والذرية الطيبة ( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) مع آبائه المرسلين في الجنة ( إذ قال له ربه ) حين خرج من السرب ( أسلم ) فرد في مقالتك وقل لا إله إلا الله ( قال أسلمت لرب العالمين ) فردت في مقالتي لله رب العالمين ويقال قال له ربه حين دعا قومه إلى التوحيد أسلم أخلص دينك وعملك لله قال أسلمت أخلصت ديني وعملي لله رب العالمين ويقال قال له ربه حين ألقى في النار أسلم نفسك إلى قال أسلمت نفسي لله رب العالمين ( ووصى بها إبراهيم ) بلا إله إلا الله ( بنيه ) عند الموت ( ويعقوب ) ابناءه أيضا قال ( يا بني إن الله اصطفى لكم الدين ) اختار لكم دين الإسلام ( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) فأثبتوا على الإسلام حتى تموتوا مسلمين مخلصين له بالتوحيد والعبادة ثم ذكر خصومة اليهود بدين إبراهيم فقال ( أم كنتم شهداء ) أكنتم يا معشر اليهود حضراء ( إذ حضر يعقوب الموت ) بماذا أوصى بنيه باليهودية أو الإسلام ( إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ) من بعد موتي ( قالوا نعبد إلهك ) الذي تعبده ( وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ) أي نعبد إلها واحدا ( ونحن له مسلمون ) مقرون لله بالعبادة والتوحيد ( تلك أمة ) جماعة ( قد خلت ) قد مضت ( لها ما كسبت ) من الخير ( ولكم ما كسبتم ) من الخير ( ولا تسألون ) يوم القيامة ( عما كانوا يعملون ) ويقولون ثم ذكر خصومة اليهود والنصارى مع المؤمنين فقال ( وقالوا ) يعني اليهود للمؤمنين ( كونوا هودا ) تهتدوا من الضلالة ( أو نصارى ) مقدم ومؤخر وقالت النصارى كذلك ( تهتدوا قل ) يا محمد ليس كما قلتم ( بل ملة إبراهيم حنيفا ) مسلما ولكن اتبعوا دين إبراهيم حنيفا مسلما مخلصا تهتدوا ( وما كان من المشركين ) على دينهم ثم علم المؤمنين مجرى التوحيد لكي تكون لليهود والنصارى دلالة إلى التوحيد فقال ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) يعني بمحمد والقرآن ( وما أنزل إلى إبراهيم ) يعني وبابراهيم وكتابه ( وإسماعيل ) وبإسمعيل وكتابه ( وإسحاق ) وبإسحق وكتابه ( ويعقوب ) وبيعقوب وكتابه ( والأسباط ) وبأولاد يعقوب وكتبهم ( وما أوتي موسى ) يعني وبموسى والتوراة ( وعيسى ) يعني وبعيسى والإنجيل ( وما أوتي النبيون ) يعني وبجملة النبيين وكتبهم ( من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ) وبين لله بالنبوة التوحيد ويقال لا نكفر بأحد منهم ( ونحن له مسلمون ) مقرون له بالعبادة والتوحيد ( فإن آمنوا ) يعني أهل الكتاب ( بمثل ما آمنتم به ) بجملة لأنبياء وكتبهم ( فقد اهتدوا ) من الضلالة بدين محمد وإبراهيم ( وإن تولوا ) أعرضوا عن الإيمان بالنبيين وكتبهم ( فإنما هم في شقاق ) في خلاف من الدين ( فسيكفيكهم الله ) يقول سيرفع الله عنك مؤنتهم بالقتل والإجلاء ( وهو السميع ) لمقالتهم ( العليم ) بعقوبتهم ( صبغة الله ) أي اتبعوا دين الله ( ومن أحسن من الله صبغة ) دينا ( ونحن له عابدون ) وقولوا نحن موحدون له بالعبادة والتوحيد ( قل ) يا محمد لليهود والنصارى ( أتحاجوننا في الله ) اتخاصموننا في دين الله ( وهو ربنا وربكم ) الله ربنا وربكم ( ولنا أعمالنا ) ديننا ( ولكم أعمالكم )
) عليكم أعمالكم دينكم ( ونحن له مخلصون ) مقرون له بالعبادة والتوحيد ( أم تقولون ) يا معشر اليهود والنصارى ( إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ) أولاد يعقوب ( كانوا هودا أو نصارى ) كما تقولون ( قل ) يا محمد ( أأنتم أعلم ) بدينهم ( أم الله ) وقد أخبرنا الله ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ( ومن أظلم ) في كفره وأعتى وأجرأ على الله ( ممن كتم شهادة عنده من الله ) في التوراة في هذا النبي صلى الله عليه وسلم ( وما الله بغافل ) بساه ( عما تعملون ) تكتمون من الشهادة ( تلك أمة ) جماعة ( قد خلت ) قد مضت ( لها ما كسبت ) من الخير ( ولكم ما كسبتم ) من الخير ( ولا تسألون ) يوم القيامة ( عما كانوا يعملون ) في الدنيا ( سيقول السفهاء من الناس ) الجهال من اليهود ومشركي العرب ( ما ولاهم ) ما حولهم ( عن قبلتهم التي كانوا عليها ) إلا ليرجعوا إلى دين آبائهم ويقال ما ولاهم أي شيء حولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها وصلوا إليها يعني بيت المقدس ( قل ) يا محمد ( لله المشرق ) الصلاة إلى الكعبة ( والمغرب ) الصلاة التي صليتم إلى بيت المقدس كلاهما بأمر الله ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) يثبت من يشاء على دين وقبلة مستقيمة ( وكذلك ) يعني كما أكرمناكم بدين إبراهيم الإسلام وقبلته ( جعلناكم أمة وسطا ) عدلا ( لتكونوا ) لكي تكونوا ( شهداء ) للنبيين ( على الناس ويكون الرسول ) محمد صلى الله عليه وسلم ( عليكم شهيدا ) لكم مزكيا معدلا ( وما جعلنا ) ما حولنا ( القبلة التي كنت عليها ) صليت إليها تسعة عشر شهرا ( إلا لنعلم ) لكي نرى ونميز ( من يتبع الرسول ) في القبلة ( ممن ينقلب ) يرجع ( على عقبيه ) إلى دينه وقبلته الأولى ( وإن كانت ) وقد كانت صرف القبلة ( لكبيرة ) لثقيلة ( إلا على الذين هدى الله ) حفظ الله قلوبهم ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) ليبطل إيمانكم كقبل نسخ الشرائع ويقال وما كان الله ليضيع لينسخ إيمانكم ولكن نسخ شرائع إيمانكم ويقال ما نسخ إيمانكم صلاتكم نحو بيت المقدس ولكن نسخ قبلتكم بيت المقدس ( إن الله بالناس ) بالمؤمنين ( لرؤوف رحيم ) لا ينسخ إيمانكم كقبل نسخ الشرائع ثم ذكر دعاء نبيه في تحويل القبلة إلى الكعبة فقال ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) رفع بصرك إلى السماء لنزول جبريل بتحويل القبلة ( فلنولينك ) فلنحولنك في الصلاة ( قبلة ) إلى قبلة ( ترضاها ) تهواها قبلة إبراهيم ( فول وجهك ) فحول وجهك في الصلاة ( شطر ) نحو ( المسجد الحرام وحيث ما كنتم ) في بر أو بحر ( فولوا وجوهكم ) في الصلاة ( شطره ) نحوه ( وإن الذين أوتوا الكتاب ) أعطوا الكتاب ( ليعلمون أنه ) يعني الحرم ( الحق من ربهم ) هو قبلة إبراهيم ولكن يكتمونه ( وما الله بغافل ) بساه ( عما يعملون ) يكتمون ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ) جئت الذين أعطوا الكتاب ( بكل آية )
علامة طلبوا منك ( ما تبعوا قبلتك ) ما صلوا إلى قبلتك وما دخلوا في دينك ( وما أنت بتابع ) بمصل ( قبلتهم ) قبلة اليهود والنصارى ( وما بعضهم بتابع ) بمصل ( قبلة بعض ) يعني اليهود والنصارى ( ولئن اتبعت أهواءهم ) بعد ما نهيناك فصليت إلى قبلتهم ( من بعد ما جاءك من العلم ) البيان أن الحرم هو قبلة إبراهيم ( إنك إذا ) إن فعلت ذلك حينئذ ( لمن الظالمين ) الضارين لنفسك ثم ذكر مؤمني أهل الكتاب فقال ( الذين آتيناهم الكتاب ) أعطيناهم علم التوراة عبد الله بن سلام وأصحابه ( يعرفونه ) يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم بصفته ونعته ( كما يعرفون أبناءهم ) بين الغلمان ( وإن فريقا منهم ) من أهل الكتاب ( ليكتمون الحق ) صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ( وهم يعلمون ) في كتابهم ( الحق من ربك ) أي أنك نبي مرسل من الله ( فلا تكونن من الممترين ) من الشاكين أنهم لا يعلمون ( ولكل وجهة ) لكل أهل دين قبلة ( هو موليها ) مستقبلها بهوى نفسه ويقال ولكل وجهة لكل نبي قبلة وهي الكعبة هو موليها أمر أن يستقبلها ( فاستبقوا الخيرات ) فبادروا بالطاعات يا أمة محمد من جميع الأمم ( أينما تكونوا ) في بر أو بحر ( يأت بكم الله ) يجيء بكم ويجمعكم الله ( جميعا ) فيجزيكم بالخيرات ( إن الله على كل شيء ) من جمعكم وغيره ( قدير ) ( ومن حيث خرجت فول وجهك ) في الصلاة ( شطر ) نحو ( المسجد الحرام وإنه ) يعني الحرم ( للحق من ربك ) إنه قبلة إبراهيم صلوات الله عليه ( وما الله بغافل ) بساه ( عما تعملون ) عما تكتمون من قبلة إبراهيم وغيرها ( ومن حيث خرجت ) كنت ( فول وجهك ) في الصلاة ( شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ) في بر أو بحر ( فولوا وجوهكم ) في الصلاة ( شطره ) نحوه ( لئلا يكون للناس ) لعبد الله ابن سلام وأصحابه ( عليكم حجة ) في تحويل القبلة لأن في كتابهم أن الحرم هو قبلة إبراهيم فإذا صليتم إليه لا تكون لهم عليكم حجة ( إلا الذين ظلموا ) ولا الذين ظلموا في المقالة ( منهم ) كعب بن الأشرف وأصحابه ومشركو العرب ( فلا تخشوهم ) في صرف القبلة ( واخشوني ) في تركها ( ولأتم نعمتي ) لكي أتم منتي ( عليكم ) بالقبلة كما أتممت عليكم بالدين ( ولعلكم تهتدون ) إلى قبلة إبراهيم ( كما أرسلنا فيكم رسولا ) يقول اذكروني كما أرسلنا إليكم رسولا ( منكم ) من نسبكم ( يتلو عليكم ) يقرأ عليكم ( آياتنا ) يعني القرآن بالأمر والنهي ( ويزكيكم ) يطهركم بالتوحيد والزكاة والصدقة من الذنوب ( ويعلمكم الكتاب ) يعني القرآن ( والحكمة ) الحلال والحرام ( ويعلمكم ) من الأحكام والحدود وأخبار الأمم الماضية ( ما لم تكونوا تعلمون ) قبل القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم ( فاذكروني ) بالطاعة ( أذكركم ) بالجنة ويقال فاذكروني في الرخاء أذكركم في الشدة ( واشكروا لي ) نعمتي ( ولا تكفرون ) لا تتركوا شكرها ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر ) على أداء فرائض الله وترك المعاصي وعلى المرازي ( والصلاة ) وبكثرة صلاة التطوع بالليل والنهار على تمحيص الذنوب ( إن الله مع الصابرين ) معين وحافظ وناصر للصابرين على المرازي ثم ذكر مقالة المنافقين لشهداء بدر وأحد والمشاهد كلها مات فلان وذهب عنه النعيم والسرور لكي يغتم به المخلصون فقال الله ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ) في طاعة الله يوم بدر والمشاهد كلها
( أموات ) كسائر الأموات ( بل أحياء ) بل هم كأحياء أهل الجنة في الجنة يرزقون من التحف ( ولكن لا تشعرون ) لا تعلمون بكرامتهم وحالهم ثم ذكر ابتلاءه للمؤمنين فقال ( ولنبلونكم ) لنختبرنكم ( بشيء من الخوف ) خوف العدو ( والجوع ) في قحط السنين ( ونقص من الأموال ) ذهاب الأموال ( والأنفس ) وذهاب الأنفس بالقتل والموت والأمراض ( والثمرات ) وذهاب الثمرات ثم قال ( وبشر ) يا محمد ( الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة ) مما ذكرت ( قالوا إنا لله ) نحن عبيد الله ( وإنا إليه راجعون ) بعد الموت وإن لم نرض بقضائه لا يرضى عنا بأعمالنا ( أولئك ) أهل هذه الصفة ( عليهم صلوات ) مغفرة ( من ربهم ) في الدنيا ( ورحمة ) من العذاب في الاخرة ( وأولئك هم المهتدون ) للاسترجاع ثم ذكر كراهية المؤمنين للطواف بين الصفا والمروة من قبل الصنمين اللذين كانا عليهما فقال ( إن الصفا والمروة ) يقول الطواف بين الصفا والمروة ( من شعائر الله ) مما أمر الله تعالى من مناسك الحج ( فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ) لا مأتم عليه ( أن يطوف بهما ) بينهما ( ومن تطوع خيرا ) من زاد على الطوف الواجب ( فإن الله شاكر ) يقبله ( عليم ) بنياتكم ويقال فإن الله شاكر يشكر اليسير ويجزي بالجزيل ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا ) بينا ( من البينات ) من الأمر والنهي والعلامات في التوراة ( والهدى ) صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ( من بعد ما بيناه للناس ) لبني اسرائيل ( في الكتاب ) في التوراة ( أولئك يلعنهم الله ) يعذبهم الله في القبر ( ويلعنهم اللاعنون ) يلعنهم الخلائق غير الجن والإنس إذا سمعوا أصواتهم في القبر ( إلا الذين تابوا ) من اليهودية ( وأصلحوا ) وحدوا ( وبينوا ) صفة محمد ونعته ( فأولئك أتوب عليهم ) أتجاوز عنهم ( وأنا التواب ) المتجاوز لمن تاب ( الرحيم ) لمن مات على التوبة ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ) بالله ورسوله ( أولئك عليهم لعنة الله ) عذاب الله ( والملائكة ) لعنة الملائكة ( والناس أجمعين ) لعنة المؤمنين بعضهم بعضا ترجع عليهم ( خالدين فيها ) في اللعنة ( لا يخفف عنهم العذاب ) لا يرفع ولا يرفعه ولا يهون عليهم العذاب ( ولا هم ينظرون ) يؤجلون من العذاب ثم وحد نفسه حين جحدوا وحدانيته فقال ( وإلهكم إله واحد ) بلا ولد ولا شريك ( لا إله إلا هو الرحمن ) العاطف ( الرحيم ) العطوف ثم ذكر علامة وحدانيته فقال ( إن في خلق السماوات والأرض ) يقول في تخليقهما ويقال فيما خلق فيهما ( واختلاف الليل والنهار ) في تقليب الليل والنهار وزيادتهما ونقصانهما ( والفلك ) وفي السفن ( التي تجري ) تسير ( في البحر بما ينفع الناس ) في معايشهم ( وما أنزل الله ) وفيما أنزل الله ( من السماء من ماء ) مطر ( فأحيا به ) بالمطر ( الأرض بعد موتها ) بعد قحطها ويبوستهما ( وبث فيها ) خلق فيها ( من كل دابة ) ذكر وأنثى
( وتصريف الرياح ) وفي تقليب الرياح يمينا وشمالا قبولا ودبورا مرة بالعذاب ومرة بالرحمة ( والسحاب المسخر ) وفي السحاب المذلل ( بين السماء والأرض ) يقول في كل هؤلاء ( لآيات ) لعلامات لوحدانية الرب ( لقوم يعقلون ) يصدقون أنها من الله ثم ذكر حب الكفار لمعبودهم في الدنيا وتبرؤ بعضهم من بعض في الآخرة فقال ( ومن الناس ) يعني الكفار ( من يتخذ ) من يعبد ( من دون الله أندادا ) أصناما ( يحبونهم كحب الله ) كحب المؤمنين المخلصين لله ( والذين آمنوا أشد ) أدوم ( حبا لله ) من الكفار لأصنامهم ويقال نزلت هذه الآية في المنافقين الذين اتخذوا الدرهم والدنانير كنزا وكهفا ويقال اتخذوا رؤساءهم آلهة من دون الله ( ولو يرى الذين ظلموا ) لو يعلم الذين أشركوا ( إذ يرون العذاب ) يوم القيامة ( أن القوة ) والقدرة والمنعه ( لله جميعا وأن لله شديد العذاب ) في الاخرة لآمنوا في الدنيا ( إذ تبرأ الذين اتبعوا ) يعني القادة ( من الذين اتبعوا ) يعني السفلة ( ورأوا ) يعني القادة والسفلة ( العذاب ) في الأخرة ( وتقطعت بهم الأسباب ) العهد والألفة بينهم في الدنيا ( وقال الذين اتبعوا ) يعني السفلة ( لو أن لنا كرة ) رجعة إلى الدنيا ( فنتبرأ منهم ) من القادة في الدنيا ( كما تبرؤوا منا ) في الآخرة ( كذلك ) هكذا ( يريهم الله أعمالهم حسرات ) ندامات ( عليهم ) في الآخرة ( وما هم بخارجين ) القادة والسفلة ( من النار ) ثم ذكر تحليل الحرث والأنعام فقال ( يا أيها الناس ) يا أهل مكة ( كلوا مما في الأرض ) من الحرث والأنعام ( حلالا طيبا ) بغير تحريم من الله ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) تزيين الشيطان ووسوسته في تحريم الحرث والأنعام ( إنه لكم عدو مبين ) ظاهر العداوة ( إنما يأمركم ) الشيطان ( بالسوء ) بالقبيح من الفعل ( والفحشاء ) المعاصي ( وأن تقولوا على الله ) من الكذب ( ما لا تعلمون ) ذلك ( وإذا قيل لهم ) لمشركي العرب ( اتبعوا ما أنزل الله ) اتبعوا تحليل ما بين الله من الحرث والأنعام ( قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ) وجدنا عليه ( آباءنا ) من التحريم قال الله ( أو لو كان آباؤهم ) أو ليس كان آباؤهم وقد كان آباؤهم ( لا يعقلون شيئا ) من الدين ( ولا يهتدون ) لسنة نبي فكيف تتبعونهم ويقال وإن كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الدنيا ولا يهتدون لسنة نبي فكيف تتبعونهم ويقال وإن كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الدين ولا يهتدون لسنة نبي أنهم يتبعونهم ثم ضرب مثل الكفار مع محمد صلى الله عليه وسلم فقال ( ومثل الذين كفروا ) مع محمد صلى الله عليه وسلم ( كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ) يقول كمثل المنعوق وهو الإبل والغنم مع الناعق وهو الراعي الذي ينعق بصوت بما لا يسمع أي لا يفهم كلامه أي كلام الراعي إذا قال له كل أو اشرب ( إلا دعاء ونداء صم ) عن الحق ( بكم ) عن الحق ( عمي ) عن الهدى أي يتصامون ويتباكمون ويتعامون عن الحق والهدى ( فهم لا يعقلون ) لا يفقهون أمر الله ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم كما لا تعقل الإبل والغنم كلام الراعي ثم ذكر ايضا تحليل الحرث والأنعام فقال ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ) من حلالات ( ما رزقناكم ) أعطيناكم من الحرث والأنعام ( واشكروا لله ) بذلك ( إن كنتم ) إذ كنتم ( إياه تعبدون ) ويقال إن كنتم تريدون بتحريمها عبادته فلا تحرموها فإن عبادة الله في تحليلها ثم بين ما حرم عليهم فقال ( إنما حرم عليكم الميتة ) التي أمر بذبحها ( والدم ) دم المسفوح ( ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله )
) ما ذبح لغير اسم الله عمدا للأصنام ( فمن اضطر ) أجهد إلى أكل الميتة ( غير باغ ) غير خارج ولا مستحل ( ولا عاد ) يقول ولا قاطع الطريق ولا متعمد لأكلها بغير الضرورة ( فلا إثم عليه ) فلا حرج عليه بأكل الميتة عند الضرورة شبعا ولا يتزود منها شيئا ( إن الله غفور ) بأكله فوق القوت ( رحيم ) حين رخص له أكل الميتة ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) ما بين الله في التوراة من صفة محمد ونعته ( ويشترون به ) بكتمانه ( ثمنا قليلا ) عوضا يسيرا نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وجدي بن أخطب ( أولئك ما يأكلون ) ما يدخلون ( في بطونهم إلا النار ) إلا الحرام ويقال إلا ما يكون نار في بطونهم يوم القيامة ( ولا يكلمهم الله ) بكلام طيب ( يوم القيامة ولا يزكيهم ) ولا يبرئهم من الذنوب ويقال ولا يثنى عليهم ثناء حسنا ( ولهم عذاب أليم ) وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) الكفر بالإيمان ( والعذاب بالمغفرة ) اليهودية بالإسلام ويقال اختاروا ما تجب به النار على ما تجب به الجنة ( فما أصبرهم على النار ) يقول فما أجرأهم على النار ويقال فما الذي أجرأهم على النار ويقال فما أعملهم بعمل أهل النار ( ذلك ) العذاب ( بأن الله نزل الكتاب ) أي نزل جبرائيل بالقرآن والتوراة ( بالحق ) بتبيان الحق والباطل فكفروا به ( وإن الذين اختلفوا في الكتاب ) خالفوا ما في الكتاب من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وكتموا ( لفي شقاق بعيد ) لفي خلاف بعيد عن الهدى ( ليس البر ) كل البر ويقال ليس البر ليس الإيمان ( أن تولوا وجوهكم ) في الصلاة ( قبل المشرق ) نحو الكعبة ( والمغرب ) نحو بيت المقدس ( ولكن البر ) الإيمان هو إقرار ( من آمن بالله ) ويقال ليس البر البار ولكن البر البار يعني المؤمن من آمن بالله ( واليوم الآخر ) بالبعث بعد الموت ( والملائكة ) بجملة الملائكة ( والكتاب ) بجملة الكتاب ( والنبيين ) بجملة النبيين ثم ذكر الواجبات بعد الإيمان فقال ( وآتى المال على حبه ) يقول البر بعد الإيمان إعطاء المال على حبه على قلته وشهوته ( ذوي القربى ) ذا القرابة في الرحم ( واليتامى ) يتامى المؤمنين ( والمساكين ) المستغفلين ( وابن السبيل ) مار الطريق الضعيف النازل ( والسائلين ) الذين يسالون مالك ( وفي الرقاب ) المكاتبين والغزاة ثم الشرائع بعد الواجبات فقال ( وأقام الصلاة ) يقول البر بعد الواجبات إتمام الصلوات الخمس ( وآتى الزكاة ) أعطى الزكاة وما يشبه ذلك ( والموفون بعهدهم ) المتمون عهدهم فيما بينهم وبين الله وفيما بينهم وبين الناس ( إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ) يعني الخوف والبلايا والشدائد ( والضراء ) الأمراض والأوجاع والجوع ( وحين البأس ) عند القتال ( أولئك الذين صدقوا ) وقوا ( وأولئك هم المتقون ) عن نقض العهود ( يا أيها الذين آمنوا كتب ) فرض ( عليكم القصاص ) القود في القتل ( الحر بالحر ) عمدا ( والعبد بالعبد ) عمدا ( والأنثى بالأنثى ) عمدا نزلت في حيين من العرب وهي منسوخة بقوله النفس بالنفس ( فمن عفي له من أخيه شيء ) يقول من ترك له من حق أخيه شيء يعني القتل أي عفي عن القتل وأخذ الدية ( فاتباع بالمعروف ) أمر الطالب أن يطلب منه بالمعروف في ثلاث سنين إن كان دية تامة وإن كان ثلثي الدية أو نصفها ففي سنتين وإن كان ثلثها ففي عامه ذلك ( وأداء إليه ) أمر المطلوب أن يؤدي إلى أولياء المقتول حقهم ( بإحسان ) بغير تقاض وتعب ( ذلك ) العفو ( تخفيف ) تهوين ( من ربكم ورحمة ) للقاتل من القتل ( فمن اعتدى بعد ذلك ) بعد أخذ الدية واعتداؤه أن يأخذ الدية ويقتل أيضا ( فله عذاب أليم )
يقتل ولا يعفى عنه ولا يؤخذ منه الدية ( ولكم في القصاص حياة ) بقاء وعبرة ( يا أولي الألباب ) ذوي العقول من الناس ( لعلكم تتقون ) لكي تتقوا قتل بعضكم بعضا مخلة القصاص ( كتب عليكم ) فرض عليكم ( إذا حضر أحدكم الموت ) عند الموت ( إن ترك خيرا ) مالا ( الوصية للوالدين والأقربين ) الرحم ( بالمعروف ) للوالدين أفضل وأكثر ( حقا على المتقين ) الموحدين وهذه الآية منسوخة بآية المواريث ( فمن بدله ) غير وصية الميت ( بعد ما سمعه فإنما إثمه ) وزره ( على الذين يبدلونه ) يغيرونه ونجا الميت منه ( إن الله سميع ) لوصية الميت ومقالته ( عليم ) إن جار أو عدل ويقال عليم بفعل الوصي فكانوا ينفذون الوصية كما كانت وإن جار مخافة الوزر حتى نزل قوله ( فمن خاف من موص ) علم من الميت ( جنفا ) ميلا وخطأ ( أو إثما ) عمدا في الجنف ( فأصلح بينهم ) بين الورثة وبين الموصى له أي رده إلى الثلث والعدل ( فلا إثم عليه ) فلا حرج عليه في رده ( إن الله غفور ) للميت إن جار وأخطأ ( رحيم ) بفعل الموصى ويقال غفور للوصي رحيم حين رخص عليه الرد إلى الثلث والعدل ( يا أيها الذين آمنوا كتب ) فرض ( عليكم الصيام كما كتب ) فرض ( على الذين من قبلكم ) بالعدد ويقال كتب عليكم الصيام فرض عليكم الصيام بترك الأكل والشرب والجماع بعد صلاة العتمة أو النوم قبل صلاة العتمة ( كما كتب ) فرض ( على الذين من قبلكم ) من أهل الكتاب ( لعلكم تتقون ) لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع بعد صلاة العشاء أو النوم قبل صلاة العشاء وهذا منسوخ بقوله ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث ) وبقوله ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ) ( أياما معدودات ) ثلاثين يوما مقدم ومؤخر ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) فليصم من أيام أخر بقدر ما أنظر من رمضان ( وعلى الذين يطيقونه ) يعني يطيقون الصوم ( فدية طعام مسكين ) فليطعم مكان كل يوم أفطر نصف صاع من حنطة لمسكين وهذه منسوخة بقوله ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ويقال ( وعلى الذين يطيقونه ) يعني الفدية ولا يطيقون الصوم يعني الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة لا يطيقان الصوم فدية طعام مسكين فليطعمان مكان كل يوم أفطرا من رمضان نصف صاع من حنطة لمسكين ( فمن تطوع خيرا ) زاد على منوين ( فهو خير له ) بالثواب ( وأن تصوموا خير لكم ) من الفدية ( إن كنتم تعلمون ) إذا كنتم تعلمون ( شهر رمضان الذي ) هو الذي ( أنزل فيه القرآن ) جبريل بالقرآن جملة إلى سماء الدنيا فأملاه على السفرة ثم نزل به بعد ذلك على محمد صلى الله عليه وسلم يوما بيوم آية وآيتين وثلاثا وسورة ( هدى للناس ) القرآن بيان من الضلالة للناس ( وبينات من الهدى ) واضحات من أمر الدين ( والفرقان ) الحلال والحرام والأحكام والحدود والخروج من الشبهات ( فمن شهد منكم الشهر ) في الحضر ( فليصمه ومن كان مريضا ) في شهر رمضان ( أو على سفر فعدة ) فليصم ( من أيام أخر ) بقدر ما أفطر ( يريد الله بكم اليسر ) أراد الله بكم رخصة الإفطار في السفر ويقول اختار الله لكم الإفطار في السفر ( ولا يريد بكم العسر ) لم يرد أن يكون لكم العسر في الصوم في السفر ويقال لم يختر لكم الصوم في السفر ( ولتكملوا العدة ) لكي تصوموا في الحضر عدة ما أفطرتم في السفر ( ولتكبروا الله ) لكي تعظموا الله ( على ما هداكم ) كما اهداكم لدينه ورخصته ( ولعلكم تشكرون ) لكي تشكروا رخصته ( وإذا سألك عبادي ) أهل الكتاب ( عني ) أقريب أنا أم بعيد ( فإني قريب ) فأعلمهم يا محمد أني قريب بالإجابة ( أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ) فليطيعوا رسولي ( وليؤمنوا بي ) وبرسولي قبل الدعوة ( لعلهم يرشدون )
لكي يهتدوا فيستجاب لهم الدعاء ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) المجامعة مع نسائكم ( هن لباس لكم ) سكن لكم ( وأنتم لباس لهن ) سكن لهن ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) بالجماع بعد صلاة العتمة ( فتاب عليكم ) تجاوز عنكم ( وعفا عنكم ) خيانتكم ولم يعاقبكم ( فالآن ) حين أحلت لكم ( باشروهن ) جامعوهن ( وابتغوا ) اطلبوا ( ما كتب الله لكم ) ما قضى الله لكم من ولد صالح نزلت في عمر بن الخطاب ( وكلوا واشربوا ) من حين يدخل الليل ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) يعني يتبين لكم بياض النهار من سواد الليل ( من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) إلى دخول الليل نزلت في صرمة بن مالك بن عدي ( ولا تباشروهن ) ولا تجامعوهن ( وأنتم عاكفون ) معتكفون ( في المساجد ) ليلا ونهارا ( تلك حدود الله ) تلك المباشرة معصية الله ( فلا تقربوها ) فاتركوا مباشرة النساء ليلا ونهارا حتى تفرغوا من الاعتكاف ( كذلك ) هكذا ( يبين الله آياته ) أمره ونهيه ( للناس ) كما يبين هذا ( لعلهم يتقون ) لكي يتقوا معصية الله نزلت على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عمار بن ياسر وغيرهما كانوا معتكفين في المسجد فيأتون إلى أهاليهم إذا احتاجوا ويجامعون نساءهم ويغتسلون فيرجعون إلى المسجد فنهاهم الله عن ذلك ثم نزل في عبدن بن الأشوع وامرى ء القيس ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) بالظلم والسرقة والغصب والحلف الكاذب وغير ذلك ( وتدلوا بها ) لا تلجوا بها ( إلى الحكام ) لتأكلوا ( فريقا ) لكي تأكلوا طائفة ( من أموال الناس بالإثم ) بالحلف الكاذب ( وأنتم تعلمون ) ذلك فأقر امرؤ القيس بالمال بنزول هذه الآية ( يسألونك عن الأهلة ) عن زيادة لأهلة ونقصانها لماذا ( قل ) يا محمد ( هي مواقيت للناس ) علامات للناس لقضاء دينهم وعدة لنسائهم وصومهم وإنظارهم ( والحج ) وللحج نزلت في معاذ بن جبل حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ( وليس البر ) الطاعة والتقوى ( بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) بأن تدخلوا البيوت من ظهورها من خلفها في الإحرام ( ولكن البر ) الطاعة في الإحرام ( من اتقى ) الصيد وغير ذلك ( وأتوا البيوت ) دخلوا البيوت ( من أبوابها ) التي كنتم تدخلونها وتخرجون منها قبل ذلك ( واتقوا الله ) واخشوا الله في الاحرام ( لعلكم تفلحون ) لكي تنجوا من السخط والعذاب نزلت في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كنانة وخزاعة كانوا يدخلون بيوتهم في الإحرام من خلفها أو من سطحها كما فعلوا في الجاهلية ( وقاتلوا في سبيل الله ) في طاعة الله في الحل والحرم ( الذين يقاتلونكم ) يبدءونكم بالقتال ( ولا تعتدوا ) لا تبتدئوا ( إن الله لا يحب المعتدين ) المبتدئين بالقتال في الحل والحرم ( واقتلوهم ) إن بدءوكم ( حيث ثقفتموهم ) وجدتموهم في الحل والحرم ( وأخرجوهم ) من مكة ( من حيث أخرجوكم ) كما أخروكم ( والفتنة ) الشرك بالله وعبادة الأوثان ( أشد ) أمر ( من القتل ) في الحرم ( ولا تقاتلوهم ) بالابتداء ( عند المسجد الحرام ) في الحرم ( حتى يقاتلوكم فيه ) في الحرم بالابتداء ( فإن ) بالابتداء ( فاقتلوهم كذلك ) هكذا ( جزاء الكافرين ) بالقتل ( فإن انتهوا ) عن الكفر والشرك وتابوا ( فإن الله غفور ) لمن تاب ( رحيم ) لمن مات على التوبة ( وقاتلوهم ) بالابتداء منهم في الحل والحرم ( حتى لا تكون فتنة ) الشرك بالله في الحرم ( ويكون الدين لله ) يكون الإسلام والعبادة لله في الحرام