الاختيار لتعليل المختار، للموصليالجزء الثاني › كتاب البيوع › [ما يعتبر في عقد الصرف وغيره]

ابحث في الصفحة

وعقد الصرف يعتبر فيه قبض عوضيه في المجلس، وما سواه من الربويات يكفي فيه التعيين؛ ويجوز بيع فليس بفلسين بأعيانهما (م)،

ص 32

ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق ولا بالسويق ولا بالنخالة، ولا الدقيق بالسويق (سم)، ويجوز بيع الرطب بالرطب وبالتمر (سم) متماثلاً،

ص 33

ويجوز بيع اللحم بالحيوان (م)، ويجوز بيع الكرباس بالقطن، ولا يجوز بيع الزيت والزيتون، ولا السمسم بالشيرج إلا بطريق الاعتبار، ولا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب (س)، ويكره السفاتج. (329)

ص 34

--------------

(329) قال (وعقد الصرف يعتبر فيه قبض عوضيه في المجلس) لقوله عليه الصلاة والسلام "الفضة بالفضة هاء وهاء، والذهب بالذهب هاء وهاء" أي يداً بيد (وما سواه من الربويات يكفي فيه التعيين) لأنه يتعين بالتعيين ويتمكن من التصرف فيه، فلا يشترط قبضه كالثياب بخلاف الصرف، لأن القبض شرط فيه للتعيين، فإنه لا يتعين بدون القبض على ما يأتي إن شاء الله تعالى، ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام "يداً بيد" أي عيناً بعين، وهو كذلك في رواية ابن الصامت.

قال (ويجوز بيع فلس بفلسين بأعينهما) وقال محمد: لا يجوز لأنها أثمان فصارت كالدراهم والدنانير وكما إذا كانا بغير أعيانهما. ولهما أن ثمنيتها بالاصطلاح فيبطل به أيضاً، وقد اصطلحا على إبطالها، إذ لا ولاية عليهما في هذا الباب، بخلاف الدراهم والدنانير لأنها خلقت ثمناً، وبخلاف ما إذا كانا بغير أعيانهما، لأنه بيع الكالئ بالكالئ، وهو منهي عنه.

قال (ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق ولا بالسويق ولا بالنخالة، ولا الدقيق بالسويق) والأصل فيه أن شبهة الربا وشبهة الجنسية ملحقة بالحقيقة في باب الربا احتياطاً للحرمة، وهذه الأشياء جنس واحد نظراً إلى الأصل، والمخلص هو التساوي في الكيل، وأنه متعذر لانكباس الدقيق في المكيال أكثر من غيره، وإذا عدم المخلص حرم البيع؛ وكذا لا تجوز المقلية بغير المقلية ولا بالسويق والدقيق، ولا المطبوخة بغير المطبوخة لتعذر التساوي بينهما بفعل العبد، وفعله لا يؤثر في إسقاط ما شرط عليه، ويجوز بيع المبلولة بمثلها وباليابسة، والرطبة بمثلها وباليابسة لأن التفاوت بينهما بصنع الله تعالى فيجوز؛ وأما المبلولة فلأنها في الأصل خلقت ندية، فالبل يعيدها إلى ما خلقت عليه كأنها لم تتغير فصارت كالسليمة بالمسوسة والعلكة بالرخوة. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز بيع الدقيق بالسويق لأنهما جنسان نظراً إلى اختلاف المقصود، وجوابه ما بينا، ولأن معظم المقصود التغذي وهو يشملهما، ويجوز بيع هذه الأشياء بعضها ببعض متماثلاً للتساوي؛ ويجوز بيع الخبر بالدقيق والحنطة كيف كان لأنه عددي أو وزني بكيلي، وكذلك إذا كان أحدهما نسيئة والآخر نقداً، وفي هذه المسائل اختلاف وتفصيل والفتوى على ما ذكرته.

قال (ويجوز بيع الرطب بالرطب وبالتمر متماثلاً) وكذا التمر بالبسر والرطب بالبسر، لأن الجنس واحد باعتبار الأصل. قال عليه الصلاة والسلام "التمر بالتمر مثلاً بمثل" وصار كاختلاف أنواع التمر. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع الرطب بالتمر لما روى أنه صلى الله عليه وسلم سئل عنه فقال "أو ينقص إذا جف؟ قالوا نعم، قالا لا إذاً" ولأن الرطب ينكبس أكثر من التمر. ولأبي حنيفة ما روى أنه لما دخل العراق سئل عن ذلك، فقال يجوز، لأن الرطب إن كان من جنس التمر جاز لقوله عليه الصلاة والسلام "التمر بالتمر مثلاً بمثل" وإن لم يكن تمراً جاز لقوله عليه الصلاة والسلام "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم" وردّ ما روياه من الحديث وقال: مداره علي زيد بن عياش وهو ضعيف، حتى قال عبد الله ابن المبارك: كيف يقال إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث وقد عرف مثل هذا الإسناد؟ ولأنه باع التمر بالتمر لأن الرطب تمر، قال عليه الصلاة والسلام لما أهدى له رطب من خيبر "أكل تمر خيبر هكذا؟" وقوله: الرطب ينكبس أكثر من التمر، قلنا هذا التفاوت نشأ من الصفات الفطرية، وأنه موضوع عنا فيما شرط علينا من رعاية المماثلة لأنه جاء من قبل صاحب الحق، وقد تعذر الاحتراز عنه، بخلاف ما إذا جاء من جهة العبد على ما مر آنفاً.

قال (ويجوز بيع اللحم بالحيوان) وقال محمد: لا يجوز إذا باعه بجنسه إلا بطريق الاعتبار، وهو أن يكون اللحم المفرز أكثر من اللحم الذي في الشاة ليكون الفاضل بالسقط تحرزاً عن الربا، وهو زيادة السقط وصار كالزيت بالزيتون. ولهما أنه باع موزوناً بعددي ولا يعرف ما فيه من اللحم بالوزن، لأن الحيوان يخفف نفسه في الميزان مرة ويثقلها أخرى بخلاف الزيت والزيتون، لأن ذلك يعرف عند أهل الخبرة به فافترقا.

قال (ويجوز بيع الكرباس بالقطن) لاختلاف الجنس باعتبار المقصود والمعيار ولا خلاف فيه، والقطن بالغزل يجوز عند محمد لما ذكرنا، خلافاً لأبي يوسف للمجانسة والفتوى على قول محمد.

قال (ولا يجوز بيع الزيت بالزيتون، ولا السمسم بالشيرج إلا بطريق الاعتبار) تحرزاً عن الربا وشبهته، وكذلك كل ما شابهه كالعنب بدبسه والجوز بدهنه وأمثاله، واللحمان أجناس مختلفة يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً حتى لا يكمل نصاب بعضها من الآخر، إلا أن البقر والجواميس جنس، والمعز، والضأن جنس، والبخت والعراب جنس، وكذلك الألبان والشحم والألية جنسان، وشحم الجنب لحم ويعرف تمامه في الأيمان.

قال (ولا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب) خلافاً لأبي يوسف، وعلى هذا القمار لأن الربا والقمار حرام، ولا يحل في دارهم كالمستأمن في دارنا. ولهما أن ما لهم مباح، إلا أنه بالأمان حرم عليه التعرض بغير رضاهم تحرزاً عن الغدر ونقض العهد، فإذا رضوا به حل أخذه بأي طريق كان بخلاف المستأمن، لأن ماله صار محظوراً بالأمان.

قال (ويكره السفاتج) وهو قرض استفاد به المقرض أمن الطرق، لقوله عليه الصلاة والسلام "كل قرض جرّ منفعة فهو ربا" وصورته أن يقرضه دراهم على أن يعطيه عوضها في بلده، أو على أن يحميه في الطريق.