ولا تقطع الأيدي باليد وتجب الدية؛ ومن قطع يمني رجلين قطعا يمينه وأخذا منه دية الأخرى بينهما، فإن قطعها أحدهما مع غيبة الآخر فللآخر دية يده؛ وإذا كان القاطع أشل أو ناقص الأصابع، فالمقطوع إن شاء قطع المعيبة، وإن شاء أخذ دية يده.
ص 32
وكذلك لو كان رأس الشاج أصغر، ولو كان رأس الشاج أكبر فالمشجوج إن شاء أخذ بقدر شجته، وإن شاء أخذ أرشها؛ ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله عمداً قبل البرء أو أخطأ بعده، أو قطع يده عمداً ثم قتله خطأ أو عمداً بعد البرء أخذ بالأمرين،
ص 33
ومن قطع يد غيره فعفا عن القطع ثم مات فعلى القاطع الدين في ماله، ولو عفا عن القطع وما يحدث منه فهو عفو عن النفس، والشجة كالقطع (سم). (696)
---------
(696) قال ( ولا تقطع الأيدي باليد) وقد بيناه (وتجب الدية) لأنه متى تعذر القصاص تجب الدية لئلا تخلو الجناية عن موجب.
قال (ومن قطع يمني رجلين قطعا يمينه وأخذا منه دية الأخرى بينهما) لأنهما استويا في سبب الاستحقاق كالغرماء في التركة (فإن قطعها أحدهما مع غيبة فللآخر دية يده) لأن الحاضر استوفى حقه وبقي حق الغائب وتعذر استيفاء القصاص فيصار إلى الدية.
قال (وإذا كان القاطع أشل أو ناقص الأصابع، فالمقطوع إن شاء قطع المغيبة، وإن شاء أخذ دية يده) لأنه تعذر استيفاء حقه كملا، فإن رضي بدون حقه أخذه ولا شيء له غيره، وإن شاء أخذ العوض وهو الأرش، كمن غصب مثلياً فأتلفه ثم انقطع عن أيدي الناس، فللمالك أن يأخذ القيمة كذا هذا؛ ولو سقطت اليد المعيبة أو قطعت ظلماً فلا شيء عليه لتعين حقه في القصاص، وإنما يصير مالا باختياره فيسقط بفوات محله؛ ولو قطعت في قصاص أو سرقة فعليه الرش لأنه أوفى بها حقاً مستحقاً عليه فهي سالمة له معنى (وكذلك لو كان رأس الشاج أصغر) لأنه تعذر استيفاء حقه كاملاً لأنه إن أخذ بقدر شجته مساحة يتعدى إلى غير حقه، لأنه إذا شج ما بين قرنيه وما بين قرني الشاج اقل مساحة، فإذا استوفى مقدار شجته وهو إنما يستحق ما بين قرنيه فقد تعدى إلى غير حقه فيتخير كما قلنا (ولو كان رأس الشاج أكبر فالمشجوج إن شاء أخذ بقدر شجته، وإن شاء أخذ أرشها) لأنه لو أخذ ما بين قرني الشاج يزداد شين الشاج بطول الشجة، وليس له ذلك فيتخير لما مر، وكذلك إذا استوعبت الشجة من جبهته إلى قفاه، ولا يبلغ قفا الشاج يخير كما قلنا.
قال (ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله عمداً قبل البرء أو خطأ بعده، أو قطع يده عمداً ثم قتله خطأ أو عمداً بعد البرء أخذ بالأمرين) والأصل فيه أنه متى أمكن الجمع بين الجراحات تجمع، لأن القتل غالباً إنما يقع بجراحات متعاقبة، فلو اعتبرنا كل جراحة على حدة أدى إلى الحرج، وإذا لم يمكن يعطى كل جراحة حكمها، وفي هذه المسائل تعذر الجمع. أما الأول فلتغاير الفعلين وتغاير حكمهما، وكذلك الثالثة. وأما الثانية والرابعة فلتخلل البرء بينهما وأنه قاطع للسراية حتى لو لم يتخلل بينهما برء يجمع بينهما ، ويكتفي بدية واحدة في الخطأين، وكذلك عندهما في العمدين بأن قطع يده عمداً، ثم قتله عمداً قبل البرء يجمع بينهما ويقتل ولا يقطع، لأن الفعل متحد ولم يتخلل البرء فيجمع بينهما كما في الخطأ. وقال أبو حنيفة: إن شاء الإمام قال لهم: اقطعوه ثم اقتلوه، وإن شاء قال لهم: اقتلوه، لأن الجمع متعذر لأن الواجب القود وهو يعتمد المساواة وذلك بأن يكون القطع بالقطع والقتل بالقتل فتعذر الجمع، أو لأن القتل يمنع إضافة السراية إلى القطع، ألا ترى أنهما لو وجدا من شخصين يجب القصاص على القاتل فصار كما إذا تخلل البرء، بخلاف ما إذا سرى القطع لأن الفعل واحد، وبخلاف الخطأين لأن الواجب الدية ولا يعتبر فيها المساواة.
قال (ومن قطع يد غيره فعفا عن القطع ثم مات فعلى القاطع الدية في ماله، ولو عفا عن القطع وما يحدث منه فهو عفو عن النفس، والشجة كالقطع) وقالا: وهو عفو عن النفس في المسألتين جميعاً، لأن العفو عن القطع أو عن الشجة عفو عن موجبه، وموجبه القطع لو برأ، والقتل لو سرى، فكان عفواً عن أيهما تحقق وصار كما إذا عفا عن الجناية، فإنه يتناول الجناية المقتصرة والسارية كذا هذا. ولأبي حنيفة أنه قتل نفساً معصومة عمداً، فيجب القصاص قياساً، والعفو وقع عن القطع لا عن القتل، إلا أنا استحسنا وقلنا تجب الدية في ماله لوجود صورة العفو، وذلك يوجب شبهة وهي دارئة للقصاص، بخلاف العفو عن الجناية لأنه يعم اسم جنس، وبخلاف قوله وما يحدث منه لأنه صريح في العفو عن القتل، ثم إن كان خطأ يعتبر عفوه من الثلث لأن موجبه المال وحق الورثة متعلق بالمال، وإن كان عمداً فمن جميع المال، لأن موجبه القصاص ولم يتعلق به حق الورثة لأنه ليس بمال.