ص 37
وفي النفس الدية، وكذلك في الأنف والذكر والحشفة والعقل والشم والذوق والسمع والبصر واللسان، وبعضه إذا منع الكلام، والصلب إذا منع الجماع، أو انقطع ماؤه أو احدودب، وكذا إذا أفضاها فلم تستمسك البول؛ (700)
---------
(700) فصل: (وفي النفس الدية) لما روينا، والمراد نفس الحر ويستوي فيه الصغير والكبير والوضيع والشريف والمسلم والذمي لاستوائهم في الحرمة والعصمة وكمال الأحوال في الأحكام الدنيوية قال (وكذلك في الأنف والذكر والحشفة والعقل والشم والذوق والسمع والبصر واللسان، وبعضه إذا منع الكلام، والصلب إذا منع الجماع، أو انقطع ماؤه، أو أحدودب، وكذا إذا أفضاها فلم تستمسك البول) والأصل في ذلك أنه متى أزال الجمال على وجه الكمال أو أذهب جنس المنفعة أصلاً تجب الدية كاملة، لأن تفويت جنس المنفعة إتلاف للنفس معنى في حق تلك المنفعة، لأن قيام النفس معنى بقيام منافعها، فكان تفويت جنس المنفعة كتفويت الحياة، والجمال مقصود في الحيوانات كالمنفعة، ولهذا تزداد قيمة المملوك بالجمال، وتفويت جنس المنفعة إنما أوجب الدية تشريفاً وتكريماً للآدمي وشرفه بالجمال كشرفه بالمنافع فيتعلق به كمال الدية، ويؤيد ذلك ما روى سعيد بن المسيب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "في النفس الدية، وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي الأنف الدية، وفي المارن الدية" وهكذا كتب عليه الصلاة والسلام لعمرو بن حزم، إذا ثبت هذه فنقول: إذا قطع الأنف أزال الجمال على الكمال، وكذا المارن والأرنبة والكل عضو واحد، فلا يجب بقطع الكل إلا دية واحدة؛ وفي قطع الذكر تفويت منفعة الوطء واستمساك البول ورمي الماء ودفقه والإيلاج الذي هو طريق العلوق عادة. وأما الحشفة فهي الأصل في منفعة الإيلاج والدفق والقصبة تبع له، وأما العقل فمنفعته أعظم الأشياء وبه ينتفع لدنياه وآخرته، ومنافعه أعظم من أن تحصى، والشم والذوق والسمع والبصر منافع مقصودة، وعمر رضي الله عنه قضى في ضربة واحدة بأربع ديات حيث ذهب بها العقل والكلام والبصر، وفي قطع اللسان إزالة منفعة مقصودة وهي منفعة النطق، وكذلك إذا زالت بقطع البعض لوجود الموجب. ولو عجز عن النطق ببعض الحروف، فإن عجز عن الأكثر تجب كل الدية لأنه فات منفعة الكلام، وإن قدر على أكثرها فحكومة عدل لحصول الإفهام لكن مع خلل؛ والجماع منفعة مقصودة يتعلق به مصالح جمة، فإذا فات وجب به دية كاملة، وبانقطاع الماء يفوت جنس المنفعة، وبالحدبة يزول الجمال على وجه الكمال، فلو زالت الحدية لا يجب شيء لزوال الموجب؛ واستمساك البول منفعة مقصودة فتجب الدية بزوالها.