فإن كان القاتل من أهل الديوان فهم عاقلته، وتؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين،
ص 60
وإن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته، ولا يزاد الواحد على أربعة دراهم أو ثلاثة وينقص منها، فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم اقرب القبائل نسباً، وإن كان مما يتناصرون بالحرف فأهل حرفته، وإن تناصروا بالحلف فأهله، ويؤدي القاتل كأحدهم؛ (720)
---------
(720) قال (فإن كان القاتل من أهل الديوان فهم عاقلته) وهم الذين لهم رزق في بيت المال، وفي زماننا هم أهل العسكر لكل راية ديوان على حدة، وذلك لأن العرب كانوا يتناصرون بأسباب منها القرابة والولاء والحلف وغير ذلك، وبقوا على ذلك إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء عمر ودوّن الدواوين صار التناصر بالدواوين، فأهل كل ديوان ينصر بعضهم بعضاً وإن كانوا من قبائل متفرقة. وقد صح أن عمر رضي الله عنه فرض العقل على أهل الديوان وكان قبل ذلك على عشيرة الرجل في أموالهم، لأنه أول من وضع الديوان فجعل العقل فيه، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فكان إجماعاً منهم، وهو على وفاق ما قضى به رسول الله عليه الصلاة والسلام قضى به على العشيرة باعتبار النصرة ثم الوجوب بطريق الصلة، فايجابه فيما يصل إليهم صلة وهو العطاء أولى، وأهل كل ديوان فيما يصل إليهم من ذلك كنفس واحدة.
قال (ويؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين) لما تقدم من حديث عمر وهو مروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً وتعتبر الثلاث سنين من يوم القضاء لأن الدية تجب يوم القضاء، وسواء خرجت في اقل أو أكثر لأنه إنما وجبت في العطاء تخفيفاً، فإذا حصلت في أي وقت حصل وجد المقصود فيؤخذ منه، فإن تأخر خروج العطاء لم يطالبوا بشيء، وإن تعجل الثلاث سنين أخذ منها الجميع لما ذكرنا؛ وإذا وجب جميع الدية في ثلاث سنين كان كل ثلث في سنة فإذا وجب الثلث فما دونه كان في سنة، وما زاد على الثلث إلى الثلثين في سنتين، وما زاد إلى تمام الدية في السنة الثالثة، وإن كانت العاقلة أصحاب الرزق أخذ من أرزاقهم في ثلاث سنين، فإن خرجت أرزاقهم في كل سنة أخذ منها الثلث، وإن خرجت في كل ستة أشهر أخذ منها السدس في كل شهر بحصته، وعلى هذا فالحاصل أنه يؤخذ في كل سنة الثلث كيفما خرج، لأن الأرزاق لهم كالأعطية لأهلها، وإن كان لهم أرزاق في كل شهر وأعطية في كل سنة أخذ من أعطيتهم لأنه أسهل، فإن الرزق يكون بقدر الكفاية لكل شهر أو لكل يوم فيشق عليهم الأخذ منه. أما العطاء يكون في كل سنة بقدر عنائه واختباره في الحروب لا بحاجته فكان الأخذ منه أسهل.
قال (وإن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته) وهم عصبته من النسب لما روى "أنه صلى الله عليه وسلم أوجب الدية على عصبة القاتل" ولأن تناصرهم بالقرب. قال (ولا يزاد الواحد على أربعة دراهم أو ثلاثة وينقص منها) يؤخذ منه كل سنة درهم وثلث أو درهم لأن الأصل فيها التخفيف وتجب صلة، فقدروه في كل سنة بالدرهم لأنه أقل المقدرات، ويزاد ثلث درهم وهو المختار ليكون الأكثر من الأقل وما لم يبلغ النصف فهو في حكمه.
قال (فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم اقرب القبائل نسباً) تحرزاً عن الإجحاف وتحقيقاً لمعنى التخفيف فيضم إليهم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات لأن التناصر يقع بذلك، وكذلك أهل الديوان إذا لم يتسع الديوان للدية يضم إليهم أقرب الرايات إليهم نصرة إذا حزبهم أمر أو دهمهم عدو، وهو مفوض إلى رأي الإمام إذ هو أعلم بذلك، ومن لا عاقلة له في رواية تجب في بيت المال، لأنه لو مات ولا وارث له ورثه بيت المال، فإذا جنى يكون عليه ليكون الغنم بالغرم، وفي رواية في مال الجاني لأن الأصل أن تجب عليه لأنه الجاني إلا أنا أوجبناه على العاقلة لما ذكرنا فإذا لم تكن عاقلة عاد إلى الأصل.
قال (وإن كان ممن يتناصرون بالحرف فأهل حرفته) وإن تناصروا بالحلف فأهله (لما بينا أن المعنى فيه هو التناصر، ومن ليس له ديوان ولا عشيرة، قيل يعتبر المحال والقرى والأقرب فالأقرب، وقيل تجب في ماله، وقيل إن كان القاتل مسلماً تجب في بيت المال، لأن الدية تجب باعتبار النصرة، وجماعة المسلمين يتناصرون ويذب بعضهم عن بعض وعلى هذا الخلاف اللقيط، ولا تعقل مدينة عن مدينة وتعقل المدينة عن قراها لأن أهل المصر يتناصرون بديوانهم وأهل سوادهم وقراهم، ولا يتناصرون بأهل ديوان مصر آخر، والباديتان إذا اختلفتا كمصرين.
قال (ويودّي القاتل كأحدهم) لأنه إنما لم يجب عليه الكل مخافة الإجحاف، ولا إجحاف في هذا ولأنه الجاني فلا أقل من أن يكون كأحدهم، ولأنها تجب بالتناصر وهو أولى بنصرة نفسه.