شرح ديوان ابن الفارض، لحسن البوريني وعبد الغني النابلسيالجزء الثاني › [أشعاره التي من الوزن الذي يقال له دوبيت] › وقال رضي الله عنه: › (أَهْوَى رَشَا كُلَّ الأَسَى لِي بَعَثَا * مُذْ عَايَنَهُ تَصَبُّرِي مَا لَبِثَا)

ابحث في الصفحة

(نَادَيْتُ وَقَدْ فَكَرْتُ فِي خَلْقَتِهِ * سُبْحَانَكَ مَا خَلَقْتَ هَذَا عَبَثَا)

أهوى على وزن أرضى بمعنى أحب من الهوى المقصور الذي هو بمعنى المحبة والرشا محرك مهموز الآخر ولد الظبية وكل بالنصب مفعول مقدم لبعث وبعث أرسل والألف للإطلاق ولي متعلق به ومذ عاينه أي شاهده من المعاينة وتصبري فاعل عاينه وما لبث أي ما توقف صبري وقت معاينته له وفي الإتيان بالتصبر هنا دون الصبر إشارة إلى أن ما بقي عنده تصبر متكلف وإلا فالصبر الحقيقي لم يبق لديه ومع ذلك بادر بالذهاب عند معاينة عين الأحباب ناديت وقد فكرت في خلقته الواو في وقد واو الحال وفسر نداء بقوله سبحانك ما خلقت هذا عبثاً وسبحانك تنزيه له تعالى عن أن يخلق هذه الصورة الجميلة عبثاً بغير حكم وبغير فائدة وليس في الجملة حرف نداء فمعنى ناديت حينئذ أعليت صوتي بقولي سبحانك إلى آخره لأن من شأن المنادي أن يعلي صوته والعبث على الله تعالى محال فهو منزه عنه وفي القرآن {ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك} وفي كلامه جناس القلب بين بعث وعبث (ن) يكني بالرشا هنا عن الصورة الكاملة التي يتجلى بها الحق تعالى فإنها عرض لا يبقى يظهر بها الوجود الحق لمحة ويختفي بها لمحة عن كشف منها لها وشهود وهو الإنسان الكامل المتصف بالجمال الذاتي من حيث أنه العالم العامل وهذا الجمال لا يدركه إلا العارف بربه المتحقق بمراتب قربه وقوله عاينه أي رآه والضمير للرشا المذكور وقوله تصبري هو تكلف الصبر وقوله في خلقته أي خلقة ذلك الرشا المكنى به عمن ذكرنا وإنما جعله رشا لأن النفار من شأن الرشا والمكنى به عنه ينفر من الناس بباطنه وقد ينفر بظاهره أيضاً لشهود العارف نفسه ظاهرها وباطنها قائمة بأمر الله الذي هو كلمح بالبصر وقوله سبحانك ما خلقت هذا عبثاً يشير إلى معنى قوله تعالى {ربنا خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار} اهـ.